بينما يشتعل العالم بالحروب: فانيا كالودجيرسيك تطلق صرخة إنسانية وتؤكد أن السينما حصننا الأخير
بلاك كات 24: روتردام، هولندا _ انطلقت أمس، 29 يناير 2026، الدورة الـ55 لمهرجان روتردام السينمائي الدولي (IFFR)، في مدينة الميناء الهولندية التي طالما كانت ملاذاً للأصوات الحرة والمغامرة. لكن هذا الافتتاح لم يكن مجرد احتفاء بروتوكولي بعرض الفيلم الافتتاحي “Providence and the Guitar” للمخرج البرتغالي جواو نيكولاو، بل تحول إلى لحظة تأمل عميقة ومصارحة شجاعة قادتها مديرة المهرجان فانيا كالودجيرسيك (Vanja Kaludjercic)، لترسخ دور السينما كجسر بين الشعوب، وكصوت مقاوم في وجه العواصف السياسية والإنسانية التي تضرب أركان العالم.

في كلمتها المؤثرة أمام جمهور غفير ملأ قاعات المهرجان، قدمت فانيا كالودجيرسيك خطاباً ينبض بالإنسانية، مذكرّة الحضور بأن السينما ليست ترفاً، بل ضرورة ملحة في أزمنة الاضطراب. استهلت حديثها بتشخيص دقيق لـ”الأحداث المضطربة وتحولات السلطة” التي يشهدها العالم، حيث يتسرب الشعور بالإرهاق والوحدة والرغبة في الانعزال إلى نفوس الكثيرين. وقالت بنبرة واثقة: “لهذا بالضبط نحتاج الفنون، وفي حالتنا، السينما”. وشددت على أن الفن السابع يمنحنا منظوراً جماعياً، يربطنا بجذور الماضي، ويساعدنا على تخيل مستقبل أفضل، معيداً التذكير بالأرضية المشتركة التي توحد البشر أكثر مما تفرقهم.

تحذير من تسييس الثقافة وتفكيك المؤسسات
استدعت فانيا كالودجيرسيك إرث الماضي لتضيء على الحاضر، مستشهدة بكلمات الرئيس الأمريكي الأسبق جون إف. كينيدي حول دور الفنانين في بناء ومد جسور الإنسانية. لكنها سرعان ما ربطت هذه المثل العليا بالواقع المرير، مشيرة بقلق إلى التحركات السياسية الحالية، وتحديداً ما تقوم به إدارة ترامب من خطوات لتفكيك “مركز كينيدي للفنون المسرحية” – الذي كان يوماً رمزاً للرعاية الحزبية المشتركة – لتحويله إلى ما يسمى “مركز ترامب-كينيدي”. وعلقت بأسى: “من المقلق دائماً رؤية كم هو سهل تدمير شيء بُني بصعوبة”. كما حذرت من هيمنة التشاؤم وخطاب الكراهية على المجال العام، ومن خطورة “اليقين الأخلاقي” عندما يتحول إلى نبرة استبدادية ترفض الآخر.

صرخة من أجل غزة والسودان وكل المضطهدين
لم تتردد فانيا كالودجيرسيك في تسمية الأشياء بمسمياتها، مسلطة الضوء على الأزمات المتراكمة التي ينزف بسببها العالم: من الحرب الروسية على أوكرانيا، إلى العنف والإبادة الجماعية في غزة الذي يهدد بتوسيع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، مروراً بالحروب الأهلية الطاحنة في ميانمار والسودان التي حصدت أرواح الآلاف وشردت الملايين. كما تطرقت إلى القمع الوحشي في إيران حيث يواجه المتظاهرون الموت والاعتقال، مشيرة إلى صعوبة التواصل مع الزملاء السينمائيين هناك للاطمئنان على سلامتهم. ولم تغفل الإشارة إلى انتهاكات القانون الدولي في أماكن أخرى، بما في ذلك ممارسات إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE).

سينما نسوية بنكهة المقاومة
وفي لفتة خاصة للنساء، أعلنت كالودجيرسيك عن برنامج خاص يحتفل بالسينما النسوية بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس “المنظمة الوطنية للمرأة” (NOW). وبدلاً من السرد التقليدي، اختار المهرجان التركيز على الرسوم المتحركة كشكل فني شعبي، خيالي، ومبتكر. وقالت محذرة: “حقوق المرأة تواجه هجوماً مرة أخرى، والكثير من الانتصارات التي تم تحقيقها بشق الأنفس يتم التراجع عنها”، مؤكدة أن هذا البرنامج يطرح نسوية مقاومة ومصدر إلهام للأجيال الجديدة.
ومن منطلق انحيازنا الدائم لصوت الإنسانية والعدالة، نرى في كلمة فانيا كالودجيرسيك صدى لما نؤمن به: أن السينما ليست مجرد شاشة بيضاء، بل مرآة للروح الجماعية وأداة فاعلة للمقاومة. هذه الكلمة لم تكن مجرد افتتاح رسمي لمهرجان، بل دعوة لنا جميعاً لنصطف مع الفن الحر، ومع الأصوات المضطهدة، ولننتصر لإنسانيتنا في زمن يحاول فيه البعض تمزيقنا.
المهرجان مستمر، وموقع “بلاك كات24” سيظل نافذتكم الأمينة في روتردام، ننقل لكم الأجواء والأفلام والأفكار التي تسعى لتغيير العالم. ترقبوا تقاريرنا القادمة!


