Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو: استجداء سينمائي للتعاطف وهشاشة في البناء الدرامي

فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو: استجداء سينمائي للتعاطف وهشاشة في البناء الدرامي

عصام عمر يحتفل ويقطع كعكة بجوار كلبه في مشهد من فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو

كيف سقطت تجربة خالد منصور في فخ الكليشيهات المكررة وافتعال الأزمات الوهمية لتمرير حبكة مفرغة داخل فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو؟

بلاك كات 24 : أحمد قرمد

لم تكن السينما يوماً مجرد استنساخ بصري لواقع فقير وتغليفه بإطار من الميلودراما المجانية لانتزاع تعاطف المشاهد، بل هي فن خلق الصراع المنطقي الذي يدفع الشخصيات نحو حتمية درامية. إلا أن فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو يأتي كنموذج صارخ لحالة من “الافتعال السينمائي”، حيث تم تأسيس البناء السردي بأكمله على أزمة واهية، صُممت خصيصاً لمغازلة المهرجانات واستجداء تعاطف الجمهور الأوروبي، ولا تحتمل كل هذا العناء المطول. صُناع الفيلم توهموا أن الزج بكلب في معادلة الهروب سيضفي بُعداً إنسانياً، متناسين أن الحبكة التي تنهار أمام أول تساؤل منطقي لا يمكن ترقيعها ببعض الكادرات المصنوعة لاستدرار الشفقة، ليتحول العمل من محاولة لتقديم سينما واقعية إلى مجرد مطاردة عبثية في شوارع القاهرة تفتقر إلى أي مبرر درامي متماسك ويغيب عنها التشريح النفسي والبناء ثلاثي الأبعاد لشخصياتها.

فيلم الشموع السوداء | فيلم هاتشيمقارنة بصرية بين مشاهد سينمائية تجمع الأبطال بكلابهم

الكلب في السينما: بين التوظيف العبقري والمجرد “إكسسوار” درامي

عندما نستدعي كلاسيكيات السينما التي وظفت علاقة الإنسان بالكلب، يبرز التناقض المفجع بين هذا الفيلم وبين تجارب عالمية ومحلية راسخة. ففي الفيلم العالمي “هاتشي: حكاية كلب” (Hachi: A Dog’s Tale)، لم يكن الكلب مجرد محرك لحدث طارئ، بل كان هو المحور الذي بُنيت عليه أعمق المشاعر الإنسانية المتمثلة في الوفاء المطلق. العلاقة هناك نضجت بهدوء، وتجاوزت حاجز اللغة لتصنع ملحمة أبكت الملايين حول العالم بصدقها وعفويتها، دون الحاجة لافتعال أعداء أو مطاردات وهمية. وعلى الصعيد المصري، نجد في الكلاسيكية الخالدة “الشموع السوداء” (1962) درساً في التوظيف الدرامي المتقن؛ فالكلب “روي” لم يكن مجرد رفيق للبطل الضرير “أحمد” (صالح سليم)، بل كان عنصراً عضوياً وشريكاً أساسياً في دفع وتصعيد الأحداث، وصولاً إلى دوره الحاسم والمنطقي في كشف لغز جريمة القتل. الكلب في “الشموع السوداء” كان له وظيفة سردية لا غنى عنها، بينما في المقابل، تم تقزيم دور الكلب في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو ليصبح مجرد “أداة افتعال” لخلق مشكلة سطحية مع جار بلطجي، وهي أزمة درامية هشة كان يمكن حلها ببساطة في الواقع بجلسة صلح عرفية، أو باللجوء الطبيعي إلى الشرطة المصرية، فمصر بلد قانون ومؤسسات وليست غابة، وهو ما ينسف أساس الحبكة ويجعل من تلك الرحلة الماراثونية للهروب مجرد مسار غير مبرر يفتقر لأدنى درجات المنطق.

مشهد هجوم الكلب وتصاعد الأحداث في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو

سيناريو التخبط: حبكة مفككة ومسارات سردية مفرغة
يعاني تأسيس الصراع من هشاشة فاضحة؛ فشاب في الثلاثينيات (حسن) يقرر الهروب متخبطاً عبر شوارع القاهرة لمجرد أن كلبه هاجم مالك العقار (كارم) في منطقة حساسة. هذا المنطلق الدرامي الساذج في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو يتجاهل أبسط قواعد البناء السببي، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تستدعي مشاجرة محلية مع شخصية بلطجي نمطية كل هذا الترهل السردي؟ وما يعمق من أزمة النص هو ذلك الحوار المشبع بالألفاظ النابية، والذي يأتي كمحاولة مصطنعة لافتعال واقعية خشنة، تعكس اغتراباً درامياً عن النسيج اللغوي والاجتماعي للشارع المصري الأصيل، وكأن السرد نُسج داخل فقاعة سينمائية معزولة تتوهم أن الفجاجة اللفظية هي المعادل الموضوعي لتمثيل الطبقات المهمشة.
وبدلاً من تقديم معالجة نفسية حقيقية لبطل مفترض أنه يواجه ماضيه، اعتمد السيناريو على الهروب إلى الأمام عبر سلسلة من “الحلول التلفيقية” (Deus ex machina) والصدف الركيكة؛ فتارة يلجأ البطل لحبيبته السابقة المخطوبة، وتارة يستعين بشخصيات عابرة، وصولاً إلى الاستسهال الكتابي المتمثل في ظهور سيدة تعرض تسفير الكلب إلى كندا! وتصل الفجوات السردية إلى ذروتها العبثية مع غياب التماسك المادي للأحداث، فرغم تعرض الكلب للضرب المبرح على يد الجار إثر العضة، ثم تلقيه رصاصة مباشرة لاحقاً ضمن مسار الأحداث، ينجو بأعجوبة ويخرج من المستشفى وكأن شيئاً لم يكن، في تجاهل تام لأبسط البديهيات الدرامية، لتصبح جغرافيا المدينة مجرد خلفية باهتة تستر الفراغ السردي لرحلة لا تترك أي أثر في وجدان المتلقي.

الممثل عصام عمر يدخن سيجارة وتبدو عليه ملامح التفكير العميق في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو

أداء نمطي وشخصيات من ورق: تباين بين الموهبة المكبوتة والافتعال

على مستوى الأداء التمثيلي، غرق طاقم العمل في بحر من الكليشيهات البصرية والنفسية، وإن وجب استثناء الممثل الشاب عصام عمر، الذي يحمل عبء بطولة فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو. فعصام ممثل محترم يمتلك حضوراً وموهبة حقيقية، وقد اجتهد بصدق في تأدية ما طُلب منه إخراجياً، غير أن الإدارة الفنية حاصرته في مشاهد تعتمد على كثرة التدخين المجاني والانعزال. ويبدو بوضوح في أدائه أنه تأثر أو استلهم حالة شخصية “أحمد” التي قدمها الراحل صالح سليم في فيلم “الشموع السوداء”، لكنه تناسى مع المخرج فارقاً درامياً جوهرياً؛ وهو أن “أحمد” كان رجلاً ضريراً يجلس مع كلبه وحيداً تبريراً لعزلته القاهرة وظلام عالمه، بينما انطوائية شخصية “حسن” هنا بدت مقحمة وشكلية بلا مبرر عضوي.
في المقابل، تأتي السقطة الكبرى من الممثلة الأردنية ركين سعد، التي أخفقت فشلاً ذريعاً في ملامسة روح الفتاة المصرية أو التعبير عن تفاصيلها الواقعية. فقد حاولت، بجهد مضنٍ افتقر إلى أدوات التجسيد السليم، أن تتقمص الحالة الدرامية التي برعت فيها النجمة زينة ومواطنتها الأردنية صبا مبارك في فيلم “بنتين من مصر” للمخرج محمد أمين، إلا أنها لم تبرع مطلقاً في التقاط تلك الروح الأصيلة، ليخرج أداؤها باهتاً، مصطنعاً، ومفتقراً لأبسط مقومات الإقناع. بينما لم تقدم سماء إبراهيم سوى نسخة باهتة ومكررة من دور “الأم المكافحة”، بلا أي إضافات تخرجها من القالب التقليدي المستهلك. أما أحمد بهاء في دور “كارم”، فكان أقرب إلى الكاريكاتير المفتعل للشرير، متجرداً من أي أبعاد أو دوافع مقنعة، ليصبح الأداء الجماعي عبارة عن استعراض لمهارات مسطحة لا تتناسب مع متطلبات السينما الجادة.

مواجهة بين شاب يرتدي قميص عمل أزرق وحارس أمن في الشارع ليلاً

إخراج تائه بين سراب العُمق والعجز التقني

في تجربته الروائية الطويلة الأولى التي يُفترض أنها تعكس الشارع، جاءت الإدارة الفنية للمخرج خالد منصور في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو قاصرة، متخبطة، وتفتقر لأدنى درجات الإحكام. الإيقاع البطيء الذي سيطر على الأحداث لم يكن توظيفاً جمالياً للتأمل كما يُروج له، بل جاء نتيجة حتمية لترهل المونتاج ومط قصة قصيرة لتلائم زمناً سينمائياً طويلاً. كاميرا منصور كانت مجرد ناقل محايد وبارد لمشاهد تفتقر إلى الحرارة الانفعالية، وعجزت تماماً عن خلق أي تلاحم بصري حقيقي بين القاهرة كمدينة نابضة وبين شخصياتها.
وتتجلى ذروة العجز التقني والافتقار للمنطق في تلك الرمزية السطحية الساذجة؛ حيث يظهر البطل الذي يعمل كفرد أمن مرتدياً زياً كُتب على واجهته “CAIRO “، بينما يغيب حرف من كلمة “Security” المطبوعة على ظهره، كمحاولة للتعبير عن فقدان الأمان! هذه الفجاجة الرمزية تتصادم بعنف مع المنطق البديهي للواقع: فكيف لشركة حراسات أمنية تتولى مهامها في حي راقٍ ومخملي مثل “الزمالك” بقلب العاصمة المصرية أن تسمح لموظف لديها بممارسة عمله مرتدياً هنداماً معيباً وناقص حرف؟ هذا التناقض الصارخ والسقطة الفادحة لا يعكسان رؤية فنية، بل يفضحان انفصالاً تاماً عن بديهيات الإدارة الفنية والتدقيق، ليؤكد أن العمل برمته ليس سوى تجربة متعثرة لا ترقى لمستوى تمثيل السينما المصرية الطموحة.

بطل العمل يقف ليلاً بجوار كشك ممسكاً بهاتفه في شارع هادئ

الصورة البصرية وتخبط الإضاءة: توثيق مشوه للمدينة

على الصعيد البصري، أخفق مدير التصوير في التقاط النبض الحقيقي لشوارع المدينة، ليخرج فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو بصورة متناقضة مع طبيعة الحكاية. فرغم الزعم بالاعتماد على الأماكن الحقيقية، جاءت الكادرات مصطنعة وتفتقر إلى الخشونة التي تتطلبها سينما المهمشين. فقد سيطرت على معظم مشاهد الفيلم إضاءة عالية التعريض تكاد تعمي البصر، مصحوبة بتشبع لوني فج يتنافر تماماً مع قتامة الأحداث. ويتجلى هذا التخبط بوضوح في مشهد إشعال “حسن” لسيارة جاره؛ حيث بدت الإضاءة والألوان شديدة الترتيب والافتعال، وكأننا أمام استعراض مرئي معزول عن بؤس الشخصيات، بدلاً من التوظيف الدرامي لتباين الظلال لتجسيد الخوف والضياع الحقيقي. هذا الخلل البصري أجهض الإيهام بالواقعية، وجعل حركة الكاميرا المتكلفة وزوايا التصوير العلوية مجرد استعراض تقني مجاني لا يخدم الحالة النفسية للبطل المطارد، بل يفصله تماماً عن بيئته القاسية من وجهة نظر ورؤية صناع هذا العمل.

عصام عمر يقف أمام شاشات تلفزيون قديمة في مشهد من فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو

شريط الصوت: استجداء النوستالجيا والسطو على الرصيد الوجداني لمحمد منير

لم يقتصر التخبط على الصورة فحسب، بل امتد العوار إلى شريط الصوت الذي جاء كدليل إضافي على الفقر الإبداعي في فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو. بدلاً من بناء هوية سمعية تعزز من حالة الاغتراب المزعومة للبطل، لجأ الإخراج إلى استجداء “النوستالجيا” عبر حيلة درامية مستهلكة تتمثل في استرجاع شرائط الكاسيت القديمة التي حولها “حسن” إلى ملفات صوتية على هاتفه المحمول. هذا الاختيار لم يكن نابعاً من ضرورة عضوية تدفع الأحداث للأمام، بل بدا كمحاولة يائسة ومقحمة لإضفاء عمق نفسي زائف ومصطنع على شخصية مسطحة، وكأن صُناع العمل يبحثون عن أي مسكنات سمعية لترقيع الفراغ السردي.
وتتجلى ذروة هذا الإفلاس الفني في تتر النهاية، حيث اختار الإخراج الاختباء خلف عباءة النجم المصري الكبير محمد منير، مستعيناً بأغنيته الأيقونية “شجر الليمون” التي صدرت لأول مرة ضمن ألبوم “شبابيك” عام 1981. هذه التحفة، التي تميزت موسيقياً بإيقاعها المعتمد على تدفق الدرامز ونبض أوتار الجيتار الرنانة، تحمل شجناً أصيلاً ووزناً ثقيلاً يتنافر تماماً مع خفة وهشاشة الصراع المعروض على الشاشة. فحين يصدح منير بكلماته الموجعة: “وكل شئ بينسرق منى العمر ما الايام والضى ما الننى وكل شئ حواليا يندهلى جوايا بندهلك ياترى بتسمعنى”، يدرك المتلقي فوراً حجم الهوة الشاسعة بين هذا الإبداع الغنائي الخالد وبين سطحية الحبكة. إن إقحام هذه الأغنية في الخاتمة ليس توظيفاً درامياً ذكياً، بل هو استسهال وسطو صريح على الرصيد العاطفي لمنير في ذاكرة المصريين، ومحاولة رخيصة لانتزاع تأثر مجاني وتصدير حالة شجن مفتعلة، بعد أن عجز الفيلم طوال مدة عرضه عن خلق أي تفاعل أو تعاطف حقيقي بأدواته السينمائية الخاصة.

لقطات مجمعة لأبطال فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو وصناع العمل على السجادة الحمراء

تناقضات الإنتاج وسراب المهرجانات: ميزانيات ضخمة لحبكة تنهار أمام “جمعيات الرفق بالحيوان”

أما على المستوى الإنتاجي، فنحن أمام مفارقة تثير السخرية والأسى معاً؛ فقد حاولت رشا حسني المتدخلة في السيناريو تصدير حالة من النضال الفني والتقشف تحت مظلة “السينما المستقلة”، بينما تكشف لغة الأرقام والواقع عن عمل مدجج بدعم مؤسسي ومادي ضخم. فمنذ مشاركته في “منطلق الجونة السينمائي” عام 2020، حصد فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو دعماً سخياً من كيانات كبرى؛ شملت الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، مروراً بصندوق البحر الأحمر التابع لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وصندوق دعم الصورة الفرانكفونية التابع للمنظمة الدولية الفرانكفونية، وصولاً إلى ثقل شركة “فيلم كلينيك” للمنتج محمد حفظي، الرئيس السابق لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وبالتعاون مع منصة شاهد وبمشاركة رشا حسني كمنتجة لأول مرة. هذا الحشد التمويلي الهائل، الذي كانت ميزانيته تكفي لصناعة أفلام حقيقية لجيل كامل من الشباب الموهوبين، تبدد للأسف على شريط سينمائي يعاني من فقر مدقع في الرؤية الفنية، ليثبت أن تكديس الأموال وحشد ضيوف الشرف كالفنانة يسرا اللوزي والنجمة المصرية بسمة، لا يصنع فناً إذا غابت القصة المتماسكة.
وبفضل هذا الدفع الإنتاجي، شق الفيلم المصري السعودي طريقه نحو منصات التتويج، حيث عُرض ضمن مسابقة “آفاق إكسترا” في الدورة الحادية والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، تلا ذلك عرض الفيلم ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي، لتتوالى بعدها الاحتفاءات الإعلامية والندوات من قِبل زملاء رشا حسني في جمعية نقاد السينما المصريين. ولعل المفارقة الأبرز في هذا المشهد الاحتفالي تجلت في الندوة التي أدارها أحمد شوقي بصفته رئيس الجمعية، والذي يشغل أيضاً منصب رئيس منصة “سيني جونة لدعم تمويل الأفلام” (منطلق الجونة السينمائي سابقاً)، محتفياً بحرارة بعمل من إنتاج تلميذته وزميلته الحالية. وهي زمالة تعود جذورها إلى ورشة النقد بالجمعية التي أدارها واقترحها شوقي نفسه عام 2014، والتي مثلت طوق النجاة لرشا بعد عدم قبولها المتكرر في المعاهد المتخصصة للنقد والسينما؛ لتنال عبرها عضوية جمعية نقاد السينما المصريين والاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي)، وتستقيل إثرها من وظيفتها كأخصائية لتبدأ طموحها في مجال السينما!

أحمد شوقي ورشا حسني وخالد منصور يجلسان جنبًا إلى جنب خلال ندوة في جمعية نقاد السينما المصريين
مصدر الصور: صفحة جمعية نقاد السينما المصريين على فيسبوك. تصوير: حسام الخولي.


وبعد تفكيك هذا الاستعراض المهرجاني، يتبادر إلى الذهن التساؤل الأكثر تدميراً لهذه البنية الدرامية برمتها: كيف لعمل استغرق سنوات من التطوير وحصد كل هذا الدعم الدولي والمحلي، أن يغفل صُنّاعه عن حقيقة بديهية تُسقط الحبكة بالضربة القاضية منذ المشهد الأول؟ فبطل فيلم البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو لم يكن بحاجة إلى خوض هذه المطاردة العبثية، والهروب المتخبط، وافتعال أزمة كونية لإنقاذ كلبه، بل كان يكفيه ببساطة، ومن الوهلة الأولى، التوجه إلى إحدى جمعيات الرفق بالحيوان؛ وهي مؤسسات رسمية وأهلية فاعلة ومنتشرة بكثافة في قلب العاصمة المصرية القاهرة ومختلف المحافظات، لتوفير المأوى الآمن والرعاية الفورية لحيوانه الأليف. إن انهيار الصراع الدرامي بأكمله أمام هذا الحل البديهي السهل هو دليل قاطع على أننا لسنا أمام سينما تبحث عن الحقيقة وتغوص في قضايا المجتمع، بل أمام مجرد افتعال سردي مصطنع، ووهم بصري استُنزفت فيه أموال طائلة لصناعة ضجيج بلا أي صدى فني يُذكر.