كيف يعكس فيلم حبيبتي مأساة العزلة وصراع الهواجس النفسية
الكاتب : أحمد قرمد
يقف فيلم حبيبتي (1974) كوثيقة سينمائية نادرة تتجاوز حدود الميلودراما العربية التقليدية لتقترب بشدة من مدرسة الواقعية النفسية الأوروبية. في هذا العمل، يتخلى المخرج هنري بركات عن الصخب السردي المعتاد في سينما السبعينيات، ليقدم دراسة هادئة ومؤلمة عن الوحدة، واغتراب الذات، والخوف المرضي من بناء الثقة. عبر 140 دقيقة، لا نجد صراعاً تقليدياً بين قوى الخير والشر، بل نشهد معركة داخلية طاحنة يخوضها بطل مهزوم ضد هواجسه الخاصة، في محاولة بائسة لاختبار قدرته على الحب في عالم فقد فيه الإيمان بكل شيء.

يحمل النص المقتبس عن قصة الكاتب المجري بورفا لازري، والذي صاغ له عبدالحي أديب السيناريو والحوار، مقاربة سيكولوجية معقدة لحياة المهاجرين. في أحداث فيلم حبيبتي، نجد بطل الحكاية، مجدي سالم (محمود ياسين)، فناناً تشكيلياً يعيش على هامش مدينة بيروت. هو ليس مجرد رجل يبحث عن الحب، بل إنسان محطم نفسياً ومادياً، يرى في كل علاقة إنسانية محاولة جديدة لاستغلاله أو خداعه. هذا التكوين النفسي يجعله يفسر تحفظ سامية (فاتن حمامة) ورفضها لاستغلاله الجسدي كنوع من الادعاء وافتعال الفضيلة. أداء محمود ياسين هنا يتسم باقتصاد تعبيري مبهر، حيث يجسد بارانويا الشك عبر لغة جسد متوترة ونظرات تفتقر إلى الأمان، محولاً شخصيته إلى نموذج للإنسان الذي يسبق بخلق جحيمه الخاص قبل أن يفرضه عليه الآخرون.
في المقابل، تقدم فاتن حمامة واحدة من أكثر أداءاتها نضجاً وكثافة بصرية. شخصية “سامية” تتطلب قدرة استثنائية على التمثيل الصامت وإدارة النظرات، فهي امرأة قوية ومستقلة، تضطر لإخفاء تفاصيل حياتها هرباً من سياط المجتمع الذكوري الذي يحاكم المرأة المغتربة قبل أن يستمع إليها. لا تنبع أسرارها من الخداع، بل من آلية دفاعية بديهية لامرأة تحاول النجاة. هذا التناقض بين هدوئها الرصين وثورة الشك التي تعصف بالبطل يخلق ديناميكية بصرية ونفسية شديدة التوتر طوال مشاهد فيلم حبيبتي.

على الصعيد البصري، يتجلى ذكاء هنري بركات في توظيف جغرافية المكان كعنصر فاعل في السرد. بيروت هنا ليست مجرد خلفية جمالية أو بطاقة بريدية، بل هي متاهة إسمنتية تعكس العزلة النفسية للأبطال. اعتماد مدير التصوير عبد الحليم نصر على الإضاءة الطبيعية والتصوير في مواقع حقيقية بشوارع بيروت القديمة وحدائقها العامة، منح فيلم حبيبتي طابعاً شبه وثائقي يتماس مع مدرسة الواقعية الإيطالية الجديدة. اختفت الديكورات المغلقة الباذخة لصالح الغرف الضيقة والشوارع الرمادية، مما ضاعف من الإحساس بحصار الأبطال داخل مخاوفهم.
تتضافر هذه الجماليات البصرية مع الموسيقى التصويرية الخفية لإلياس الرحباني، والتي ابتعدت عن التأكيد العاطفي المباشر لتركز بدلاً من ذلك على خلق حالة من الشجن المستمر الذي يرافق تهاوي البطل في دوامة شكوكه، وصولاً إلى النهاية العبثية المفجعة، حيث يدرك الحقيقة في اللحظة التي يفقد فيها فرصة إنقاذها. يثبت فيلم حبيبتي أن السينما قادرة على النفاذ إلى أعمق مناطق الهشاشة البشرية متى ما تخلت عن الاستعراض المجاني لصالح التأمل النفسي الصادق. إنه يتركنا أمام تساؤلات قاسية حول ذواتنا، وكيف يمكن للشك أن يغتال أنقى المشاعر ويحول الحب إلى ساحة معركة خاسرة سلفاً. تظل هذه التحفة السينمائية شاهدة على عبقرية صانعيها في التقاط التفاصيل اليومية العابرة وتحويلها إلى ملحمة إنسانية خالدة، تلامس أرواحنا وتجبرنا على مواجهة مخاوفنا الدفينة تجاه الآخرين.
