الرئيسية » فيلم خوفو Khufu بين مطرقة التمويل وسندان الافتعال: حين تتحول السينما إلى تقرير بصري

فيلم خوفو Khufu بين مطرقة التمويل وسندان الافتعال: حين تتحول السينما إلى تقرير بصري

لقطة نهارية من فيلم خوفو Khufu تظهر الصبي سيد وهو يشد بقوة حبل جمل بارك على رمال الصحراء، بينما تجلس فوقه سائحة أجنبية

متاهة الاستجداء السينمائي في فيلم خوفو Khufu: الغرق داخل سراب المهرجانات

بلاك كات 24 : أحمد قرمد

بينما تختتم الدورة التاسعة والسبعون لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي في سويسرا فعالياتها اليوم 15 أغسطس 2026، عُرضت ضمن مسابقة “نمور الغد” (Pardi di Domani) الدولية التجربة الإخراجية الأولى لمحمود عاصي. هذا العمل الذي يحمل اسم فيلم خوفو، أو كما عُرف عالمياً بعنوان Khufu، لا يعدو كونه حلقة مكررة في سلسلة الاستجداءات السينمائية الغير واقعية لمغازلة المانحين وصناديق الدعم والتمويل. فبدلاً من صياغة رؤية بصرية ناضجة تغوص في تعقيدات النسيج الاجتماعي لواقع منطقة نزلة السمان، التي تقبع في ظل أهرامات الجيزة، انزلق العمل نحو فخ استغلال “الفقر المدقع” وتصدير البؤس كبطاقة عبور مجانية ومضمونة للمهرجانات الأوروبية. لقد تم تسطيح المكان وتجريده من روحه النابضة ليصبح مجرد خلفية سياحية باهتة، ليتحول الجمل المريض في الحكاية من محرك درامي حقيقي إلى مجرد ورقة ضغط عاطفية رخيصة، تُستخدم لابتزاز المتلقي واستدرار شفقة اللجان، متجاهلاً بذلك أبسط قواعد الفن السابع الذي يُفترض به أن يعبر عن جوهر المعاناة الإنسانية بدلاً من المتاجرة الفجة بها.

الصبي سيد يستند برأسه منهكاً ومستسلماً لليأس داخل سيارة أجرة ضمن أحداث فيلم خوفو Khufu

واقعية موجهة: حين تتحول السينما إلى تقرير بصري
منذ الوهلة الأولى، يبرز التناقض الصارخ بين ادعاءات الواقعية وبين الرؤية الموجهة التي تقف خلف فيلم خوفو. العمل الذي توجته مسابقة “عيش” المدعومة من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP)، يبدو وكأنه نُفذ كوثيقة بصرية لتلبية متطلبات “الأمن الغذائي” أكثر من كونه عملاً درامياً يتمتع بالاستقلالية الفنية. تدور الحبكة حول الصبي “سيد” ذي الأربعة عشر عاماً ووالدته “إكرام”، اللذين يواجهان انهيار مصدر دخلهما الوحيد المتمثل في الجمل المريض بطل قصة فيلم Khufu.

لقطتان مجمعتان من أحداث فيلم خوفو Khufu تظهران الصبي سيد جالساً بائساً بجوار الجمل المريض وفي لقطة أخرى يسقط أرضاً على رمال الصحراء

هشاشة الحبكة وافتعال المعاناة
يضيق الصراع في فيلم خوفو بشكل مصطنع ليضع الأبطال أمام خيارين كلاهما يحمل قسوة درامية مجانية: إما بيع الجمل للجزارين، أو تركه ليموت وحيداً بجوار ما أُطلق عليه “Wall of Carcasses”. فمنطقة نزلة السمان، التي يعتمد اقتصادها كلياً على خيول وجمال السياحة، تعج تاريخياً بالعيادات البيطرية والجمعيات الأهلية المتخصصة في إنقاذ حيوانات العمل؛ فكيف يمكن لعائلة تعتمد كلياً على هذا الحيوان أن تقف مكتوفة الأيدي دون اللجوء لأي مساعدة طبية بديهية متاحة في محيطها الجغرافي؟ هذا الانفصال الصارخ عن البديهيات الواقعية داخل أحداث فيلم Khufu يفرغ الأزمة من مصداقيتها، لتصبح مجرد حالة مصطنعة لاستدرار التعاطف بدلاً من بناء صراع درامي متماسك ينسج الحقيقة بعمق.

الفتاة ماري تلامس الحمار في مشهد من التحفة الفرنسية بالصدفة يا بالتازار للمخرج روبير بريسون

التوظيف السينمائي للحيوان: بين العمق الفلسفي والاستعراض الموجه
وإذا ما أردنا تقييم التوظيف الفردي للحيوان كشريك في المعاناة الإنسانية، فلا يمكننا إلا أن نعقد مقارنة سينمائية بين فيلم خوفو وبين التحفة الفرنسية الخالدة “بالصدفة يا بالتازار” (Au Hasard Balthazar) للمخرج العظيم روبير بريسون (1966). في رائعة بريسون، لم يكن الحمار “بالتازار” أداة لاستدرار العطف أو لتمرير رسائل موجهة، بل كان شاهداً صامتاً على قسوة الطبيعة البشرية، في بناء سردي وفلسفي يلامس الروح ويجسد المعاناة بصمت مهيب. أما في أحداث فيلم Khufu، فقد تم تسطيح دور الجمل ليصبح مجرد عقدة إنتاجية استدعت الاستعانة بأطباء بيطريين ومدربي حيوانات في موقع التصوير لحماية طاقم العمل، لا لخدمة البناء الدرامي، بل لخلق حالة من الميلودراما المصطنعة التي تفتقر لأي أبعاد نفسية حقيقية لأبطاله، وتجعل من الجمل المسكين مجرد أداة لتسول التعاطف.

مشهد مزدوج من فيلم خوفو Khufu يبرز ملامح الأم إكرام المتوترة في الظلام والصبي سيد يسير في ممر باهت الإضاءة بنزلة السمان

الصورة البصرية وافتعال الغرائبية الاستشراقية
أما على الصعيد التقني، فقد جاءت الإدارة الفنية متخبطة بين محاولة ادعاء الواقعية الخشنة وبين الصورة الجمالية المصطنعة. مدير التصوير كريم مارولد اعتمد على تباين لوني مفرط بين درجات الأزرق والأصفر الساطعة للمشاهد الخارجية، وهو ما خلق حالة من الاغتراب البصري وعزل الشخصيات عن بيئتها التي يُفترض أنها تعاني من ظروف قاسية. وتصل هذه المبالغة السردية والبصرية إلى ذروتها في خاتمة فيلم خوفو، حيث تلجأ الأم لتدخل غامض عند الفجر لإقامة ما أسماه صناع العمل “طقوس دفن غير متوقعة”. هذا الافتعال الصريح للغرائبية (Exoticism) لا يستهدف سوى إدهاش العين الغربية بصورة استشراقية جديدة، ليثبت فيلم Khufu، المدعوم بإنتاج مشترك ضم مصر، وفرنسا، والسويد، وكندا، أنه مجرد مشروع صُنع بعناية في مختبرات التمويل، ليعكس واقعاً مصمماً خصيصاً على مقاس لجان التحكيم.

سراب الجوائز والابتعاد عن جوهر الفن السابع
في النهاية، يفقد العمل بوصلته الفنية حين يقرر الانحياز إلى شروط المنح على حساب الصدق الإبداعي. لقد ابتعد فيلم خوفو تماماً عن روح السينما المستقلة الأصيلة التي لا تُصنع إرضاءً لتوجهات أروقة المهرجانات، بل تنبع من قلب المجتمع وواقعه الفعلي. وبذلك، يتبخر أثر فيلم Khufu كسراب في صحراء الافتعال، باحثاً عن تتويج دولي في المهرجانات الأوروبية لا يعكس قيمة فنية قادرة على الصمود في ذاكرة السينما الحقيقية، ليظل مجرد وثيقة بصرية صُممت لتلبية متطلبات الجهات المانحة دون أي أثر وجداني باقٍ.