متاهة الاغتراب البصري في فيلم كولونيا: كيف تراجعت لغة الصورة لصالح ثرثرة مفرغة؟
بلاك كات 24 : أحمد قرمد
تأبى السينما الحقيقية أن تُختزل داخل جدران شقة مغلقة وحوارات مفرغة تُسرد كأننا على خشبة مسرح، فالصورة هي لغة الفن السابع الأولى، ومتى تراجعت لغة الصورة، وتهاوى البناء الدرامي للسيناريو المُنتج للحوار والكلمة المنطوقة، تحول العمل إلى مجرد مسرحية مصورة تفتقر إلى النبض والحياة. في فيلم كولونيا، أو كما يُعرف عالمياً باسم My Father’s Scent، نحن أمام نموذج صارخ للتراجع الفني والنقدي. العمل الذي شارك في بطولته كامل الباشا، وأحمد مالك، ومايان السيد، وآخرون، وهو من إنتاج محمد حفظي، للكاتب أحمد عامر والمخرج محمد صيام في تجربته الإخراجية الروائية الطويلة الأولى، اختار طواعية الانعزال داخل بيئة مكانية وزمانية ضيقة، محاولاً تقديم تشريح نفسي واجتماعي لعلاقة معقدة بين أب وابنه، لكن النتيجة جاءت أشبه بمحاكمة قاسية تفتقر إلى أبسط قواعد الإقناع الدرامي، لتغرق الحبكة في مستنقع من الافتعال السطحي الذي لا يعبر عن الواقع بقدر ما يغازل ذائقة لجان تحكيم المهرجانات الأوروبية ومن قبل ذلك جهات التمويل المانحة.

الافتعال البصري والهشاشة الدرامية
يُفتتح كولونيا My Father’s Scent بمشهد يفتقر لأدنى درجات التأسيس الدرامي، ليبدو أقرب إلى “فيديو كليب” من أغاني حقبة التسعينيات؛ حيث يظهر بطل العمل ملقى على رمال البحر وبجواره حصان، بينما يضج شريط الصوت بهدير الأمواج وصياح النوارس ممزوجاً بأنفاس البطل العالية والمفتعلة، مع طيف لفتاة غير واضحة المعالم تلوح من بعيد. هذا الاستهلال الساذج يعكس بوضوح الأساس الدرامي الذي بُني عليه العمل، والذي يعاني من قصور بالغ في فهم ديناميكية الصراع الإنساني. فالسيناريو يختار أسهل الحلول وأكثرها رتابة عبر حشر تاريخ طويل من الأزمات المتراكمة بين شخصية الأب “عمر” والابن الأصغر “فاروق” داخل إطار زمني لا يتجاوز ليلة واحدة، وهي الليلة التي تسبق وفاة الأب إثر عودته من غيبوبة دامت ستة أشهر.

عجز البناء السردي واللجوء للثرثرة
هذا الاختيار الزمني المتعسف، والذي يُعرف سردياً بـ “اليوم السابق”، أجبر صُناع فيلم كولونيا My Father’s Scent على التخلي عن البناء التصاعدي للأحداث، واللجوء بدلاً من ذلك إلى حوارات تلقينية ومباشرة. فبدلاً من أن نرى تفاصيل هذه الكراهية المتبادلة تتكشف تدريجياً عبر الفعل ورد الفعل، نجد الشخصيات تقف أمام بعضها البعض لتسرد ماضيها كأنها تقرأ من كتاب تاريخ. الابن يُذكر أباه بأنه هو من تكفل بمصاريف علاجه الباهظة من أموال تجارة المخدرات، ليتجلى التخبط الإخراجي الصارخ والانفصال التام عن الواقعية في التعامل مع حالة الأب العائد للتو من العناية المركزة؛ إذ نراه في مشاهد منفصلة يدخن “الشيشة” تارة، ويشعل السجائر تارة أخرى، ويقود السيارة المتهالكة، متصرفاً وكأنه شاب في ريعان شبابه يفيض بالحيوية، وليس مريضاً يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة.
استسهال إخراجي وغياب المنطق الجسدي
ولم يقتصر غياب المنطق التنفيذي في فيلم كولونيا My Father’s Scent على التناقض الطبي للأب، بل امتد لردود أفعال الابن الجسدية والنفسية لتكسر أبسط قواعد الواقعية. ففي مشاهد الانفعال المجانية، نرى البطل يكسر رخام مرحاض بعنف شديد، ثم يعود ليحطم زجاج تسريحة، لتأتي المفارقة الهزلية بخروجه من هذا التحطيم الزجاجي والصلب دون أن يصيبه أي خدش. ويتجلى هذا الاستسهال الإخراجي العاجز عن ضبط تفاصيل المنطق في غياب أبسط قواعد الاستمرارية (الراكور)؛ فبينما يجلس الأب والابن معاً في الشرفة، يتوجه الابن لفتح الباب لصديقته، لنجد الأب العجوز المريض فجأة قد قفز إلى السرير وأغلق بابه بسرعة الصاروخ، في تجاهل تام لأي منطق مكاني أو زمني. ويمتد هذا الخلل السطحي إلى الأداء الانفعالي؛ فحتى في مشهد وفاة والده، نجده متبلد المشاعر تماماً، لا يذرف دمعة واحدة تتناسب مع رهبة الموت وقسوة اللحظة.

ذروة التناقض والبوح المصطنع
وفي سياق هذه التناقضات المزدحمة داخل فيلم كولونيا My Father’s Scent، يضطر الأب، في مشهد شديد الاصطناع داخل مطعم مأكولات بحرية يطل على شاطئ البحر بمحافظة الإسكندرية، إلى إلقاء قنبلة درامية تتمثل في اعترافه بخيانة الأم المتوفاة للأب. هذه المعلومات الخطيرة كان يجب أن تُعالج كأحداث سينما تُرى وتُعاش، لا أن تُقذف في وجه المتلقي عبر ثرثرة كلامية تهدف فقط إلى تبرير الكراهية قبل انتهاء الليلة وموت الأب.
كليشيهات مقحمة وشخصيات بلا مبرر درامي
وتمتد هذه العشوائية في أحداث فيلم كولونيا My Father’s Scent لتشمل الشخصيات الثانوية التي تم الزج بها دون أي توظيف عضوي. وتمتد هذه العشوائية في أحداث كولونيا My Father’s Scent لتشمل الشخصيات الثانوية التي تم الزج بها وكأنها قرابين تُقدم لإرضاء جهات التمويل الأجنبية. فشخصية الفتاة “سارة” تم تسطيحها في كليشيه بصري ساذج عبر مشهد ارتدائها النقاب فوق ملابسها المتحررة لحظة نزولها من السيارة؛ في محاولة فجة ومباشرة لتلقين المتلقي، والمانح الغربي تحديداً، درساً مصطنعاً عن ازدواجية وهمية لا تعكس حقيقة المجتمع المصري. فهذا المجتمع المتحضر، بوسطيته وتسامحه العريق ونسيجه المتماسك، أسمى من أن يُختزل في تنميطات سطحية تُفصل خصيصاً لمغازلة جهات التمويل.
وبالمثل، يبرز مشهد الرجل المتحول جنسياً الذي يبيع المخدرات للبطل ضمن أحداث فيلم كولونيا داخل سيارة ويخطئ البطل أحمد مالك في ذكر اسمه ماجد ثم ماجي يبرز كعلامة استفهام كبرى؛ فما هو المبرر الدرامي لوجوده من الأساس؟ إن إقحام هذه النماذج لا يحمل أي ضرورة سردية لتصعيد الصراع، بل يبدو كمجرد محاولة لاصطناع الغرائبية والادعاء بواقعية خشنة مزيفة، لا تخدم متن الحكاية بأي شكل، بل تسيء للواقع وتتاجر بقضاياه من أجل نيل الدعم والتمويل والمنح .

مقارنة سينمائية: بين صدق المشاعر وفجوة الافتعال
وإذا ما أردنا الوقوف على المعنى الحقيقي لفجيعة الفقد وتأثيرها المدمر على الروابط العائلية، وتحديداً العلاقة بين الأب والابن، فلا يسعنا إلا استدعاء التحفة السينمائية المصرية الخالدة “لا تبكي يا حبيب العمر” (1979) للمخرج القدير أحمد يحيى، وبطولة النجمين الراحلين فريد شوقي ونور الشريف. في ذلك العمل العظيم، لم يكن الصراع مبنياً على أحقاد غير مبررة أو حوارات مصطنعة، بل أسس المخرج لعلاقة عضوية، دافئة، وحقيقية بين الأب الجراح وابنه طالب الطب. وعندما تقع المأساة ويموت الابن بين يدي أبيه أثناء الجراحة، لا يحتاج الفيلم إلى خطب رنانة ليقنعنا بحجم الكارثة؛ فالصورة وحدها، وانهيار الأب وانزلاقه نحو هاوية القمار وإدمان الخمر، كانت كفيلة بنقل أعمق درجات الوجع الإنساني. في فيلم “لا تبكي يا حبيب العمر”، كانت المشاعر تتدفق بصدق يزلزل الوجدان، بينما في فيلم كولونيا My Father’s Scent، تبدو المشاعر وكأنها معلبة، تُستدعى بالأمر المباشر لتلبية متطلبات السيناريو المتعجل، مما يخلق هوة سحيقة بين المتلقي والشخصيات.
السطو الوجداني واستجداء النوستالجيا الموسيقية
وللتغطية على هذا الجفاف العاطفي والفقر في بناء الحالة النفسية داخل فيلم كولونيا My Father’s Scent، لجأ الإخراج إلى استجداء الذاكرة الوجدانية للمشاهدين عبر السطو الفني الصريح على إبداعات موسيقية راسخة وإن تم ذكر حقوق الملكية في نهاية الفيلم. فبدلاً من خلق هوية سمعية أصيلة ومبتكرة تعبر عن خصوصية الحالة المزاجية المأزومة للبطل، يتم إقحام الألحان الأيقونية للموسيقار المصري الراحل حسن أبو السعود، وتحديداً من فيلم “سلام يا صاحبي” (1986). هذا الاستخدام المجاني لا يمكن اعتباره تحية أو استلهاماً، بل هو استسهال ومحاولة لشحنة عاطفية جاهزة من وعي الجمهور المصري والعربي، لضخها قسراً في أوردة مشاهد ميتة إكلينيكياً. الموسيقى في السينما يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من نسيج العمل، تنبع من معاناة شخصياته، لا أن تُستورد من كلاسيكيات أخرى لترقيع العجز الإخراجي في توليد الإحساس المطلوب.
التخبط الأدائي والاغتراب عن الروح السكندرية
أما على صعيد التشخيص في فيلم كولونيا My Father’s Scent، فقد تكفل سوء الاختيار الإداري بإجهاض ما تبقى من مصداقية. الممثل الفلسطيني القدير كامل الباشا، ورغم تاريخه الحافل، بدأ هنا تائهاً ومغترباً تماماً عن شخصية الأب السكندري. اللهجة المصرية انزلقت منه في العديد من الجمل الحوارية، وأداؤه جنح نحو ميلودراما مبالغ فيها، حيث طغت الانفعالات الصوتية والحركية المفتعلة على الأداء الباطني الذي تتطلبه شخصية تقف على حافة الموت. في المقابل، ورغم الطاقة الكبيرة التي يمتلكها الشاب أحمد مالك، إلا أن التوجيه الإخراجي قيده في نمط واحد من الأداء يعتمد على النظرات الزائغة والانفعال العصبي المستمر، مانعاً إياه من تقديم التدرج النفسي المطلوب لشاب يواجه شبح اليتم والضياع.

الصورة السينمائية: توثيق مشوه وديكور يفتقر للحياة
وعلى مستوى التوثيق البصري للمكان، فشل مديرا التصوير والديكور في نقل النبض الحقيقي لمدينة الإسكندرية. المكان في فيلم كولونيا My Father’s Scent ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو شريك صامت كان ينبغي أن يعكس عزلة الأبطال. بدلاً من ذلك، شاهدنا صورة سينمائية تغلب عليها الإضاءة اللونية الزرقاء الكابوسية، وتوظيفاً درامياً غير مبرر للأمطار الغزيرة في ليلة “عيد الأضحى” رغم أن القمر لم يكتمل، في تناقض صارخ مع المنطق الزمني والمناخي. الكادرات المزدحمة بالكركبة المتعمدة داخل الشقة لإثبات تراكم الزمن والإهمال، جاءت شديدة الترتيب لدرجة تفضح كونها مجرد “ديكور” مصنوع، وليست بيئة عاشت فيها عائلة تتآكل من الداخل. هذا الانفصال البصري عن الواقع جعل الصورة تبدو كلوحة استعراضية باردة لا تتفاعل مع سخونة المأساة المفترضة.

تمويل ضخم وتلميع إعلامي
إن ما يثير الدهشة حول فيلم كولونيا My Father’s Scent هو حجم الدعم والتمويل الضخم الذي حظي به العمل من جهات متعددة شملت مصر، وبلجيكا، والسعودية، والنرويج، وقطر، والسويد وغيرها؛ إلى جانب التغطيات الإعلامية المكثفة والاحتفاء النقدي. بل إن تتر الفيلم ينطق بأسماء العديد من النقاد والجهات التي وُجه لها الشكر، وهو ما يضع علامات استفهام حول طبيعة هذا الاحتفاء الصاخب الذي يستبق القيمة الفنية الحقيقية، لتستدعي مثل هذه الأفلام المدعومة تساؤلاً هاماً: لماذا تنال جوائز النقاد من الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (FIPRESCI)؟ ورغم هذا الزخم، لم يحقق فيلم كولونيا My Father’s Scent عند عرضه الجماهيري في العديد من دور العرض السينمائي، ما بين الإسكندرية والمحافظات، أي مردود يُذكر. ويأتي كل هذا في وقت أعلنت فيه نقابة المهن السينمائية فتح باب الترشح للأفلام المصرية للمشاركة في مسابقة “أفضل فيلم روائي عالمي” لجوائز الأوسكار لعام 2026؛ لتتجه الأنظار نحو اللجان والتقييمات، وما إذا كانت الخيارات ستنتصر للسينما الأصيلة أم للضجيج المهرجاني الممول.

عطر يتبخر في زحام التنظير
يبقى فيلم كولونيا My Father’s Scent تجربة تعثرت في منتصف الطريق؛ فالمخرج أراد تقديم تشريح لمعنى الأبوة وسلطتها، لكنه قدم عملاً غارقاً في الثرثرة والتنظير المسرحي. العطر الذي يحمل الفيلم اسمه، والذي كان يفترض أن يمثل الإرث الثقيل والمربك الذي يتركه الأب، لم يحمل حتى قطرة واحدة من عبق الأصالة التي تتركها العطور المصرية المحفورة في الذاكرة السينمائية والوجدان، مثل رائحة “أسانس شادية” أو كولونيا “خمس خمسات” العريقة، بل تبخر تماماً وسط زحام الافتعال السردي والإخفاق التقني. السينما لا تُصنع بالاعتماد الكلي على حوارات مسرحية طويلة لتعويض الفراغ البصري، بل تُصنع بقدرة الصورة على ملامسة أوتار المتلقي بلا واسطة، وهو ما افتقده هذا العمل الذي سيبقى غير قادر على الصمود أمام الذاكرة السينمائية الحقيقية التي لا تعترف إلا بالصدق.


