بلاك كات 24 : كوريا الجنوبية _ على سفوح جبال “بدخشان” الشاهقة، حيث للطبيعة صوت وللصمت حكايات، يأخذنا فيلم “ميلاد آخر” في رحلة سينمائية لا تشبه غيرها. هذا العمل، الذي يضيء شاشات مهرجان بوسان السينمائي الدولي هذا العام (من 17 إلى 26 سبتمبر)، ليس مجرد فيلم، بل هو همسة بصرية طويلة، قصيدة تُتلى بلغة الصورة عن أرواح تتشبث بالحياة بينما يلتهمها الحزن.

تضعنا المخرجة إيزابيل قلندار في عالم الطفلة “باراستو” ذات الثماني سنوات. طفلة لا ترى العالم كما يراه الكبار؛ فهي تراه بقلبها. الفيلم يبرز كفكرة ميلاد جديد لجدها، حين تلاحظ أن جدها الحبيب “بوبو علي” بدأ يذوي ويتلاشى، لا يذهب عقلها الصغير إلى أمراض الجسد، بل إلى علّة الروح: الشوق القاتل لابنه الغائب. هذا الفهم الفطري العميق هو ما يدفعها لرحلتها اليائسة والمدهشة لعلها تجد لمعانٍ تصويري في فيلم ميلاد آخر.

في براءة إصرارها ونقاء هدفها، تنطلق “باراستو” في مهمتها الخاصة عبر التضاريس الوعرة، وكأنه يذكرنا بأفلامٍ عظيمة قامت على رحلة طفل، مثل تحفة المخرج الإيراني عباس كيارستمي “أين منزل الصديق؟”، حيث يصبح سعي الطفل البسيط لإصلاح خطأ صغير ملحمة إنسانية كبرى. هذه الرحلة تجعلنا نتأمل بداية جديدة في قلب السينما. ففي مقابل قلقها النقي، تقف أمها كجدار من الصمت واللامبالاة الظاهرية، وهي الأخرى تذوي في حزنها الخاص، وهنا تكمن عبقرية السرد في تصوير ميلاد آخر.
الفيلم لا يقدم شخصيات بقدر ما يقدم حالات إنسانية. الجد ليس مجرد رجل مسن، بل هو تجسيد حيّ للذاكرة التي تأبى أن ترحل. الأم ليست قاسية، بل هي صورة للمرأة التي استنزفها الانتظار. أما “باراستو”، فهي الأمل الذي يولد من رحم اليأس، محاولة بريئة لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء بقوة الخيال والحب. أثر “ميلاد آخر” في الجمهور يظهر في محاولات الفيلم لاستكشاف شخصياته بعمق وابتكار، مما يجعله فيلماً فريداً في مجال الميلاد الجديد في السينما. وتجدر الإشارة إلى أن الفيلم يعكس رمزياً مفهوماً شاملاً لفيلم “ميلاد آخر”.

ما يميز “ميلاد آخر” هو لغته السينمائية الشاعرية. هنا، تلاشا الحزن والميلاد الجديد يتداخلان بدقة فنية. الكاميرا هنا لا تصور، بل تتأمل. يستخدم المخرجة وفريقها الضوء والظل كأدوات لرسم المشاعر، فتتحول المناظر الطبيعية الشاسعة إلى مرآة تعكس وحدة الشخصيات وهشاشتها. تمتع الفيلم بعرض ميلاد جديد لأحداث مأساوية. كل لقطة هي لوحة فنية، وكل مشهد هو بيت في قصيدة طويلة وحزينة عن الفقد، تُسمع موسيقاها في حفيف الريح وصمت الجبال.

إيزابيل قلندار، في أول أعمالها الروائية الطويلة، تثبت أنها صاحبة رؤية فنية ناضجة. هي لا تروي قصة بقدر ما تخلق إحساسًا، وتدعونا لنشعر بما تشعر به شخصياتها، لنرى العالم من عيون طفلة صغيرة تكتشف أن “تذوق طعم الحياة” يأتي أحيانًا عبر تذوق حزن من نحبهم. فيلم “ميلاد آخر” يبقى معك طويلاً بعد انتهاء عرضه ويجسد فكرة ميلاد جديد للأمل، وهو شهادة قوية على أن السينما قادرة على تحويل أعمق الآلام إلى أروع أشكال الجمال.


