تتويج تاريخي في ليلة الختام: فيلم in memory of ينتزع الحمامة الفضية
ويكرس الرسم كفعل مقاومة حي
أجرى الحوار : أحمد قرمد
شهد فيلم in memory of تتويجاً استثنائياً على خشبة مسرح قاعة “Schaubühne Lindenfels” العريقة في ألمانيا، حيث وبحضور المديرة الفنية للمهرجان أولا شتازل (Ola Staszel) ونخبة من صناع السينما العالمية، أسدل الستار مساء السبت الحادي والثلاثين من أكتوبر 2026 على فعاليات الدورة التاسعة والستين من مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية وأفلام التحريك (DOK Leipzig) بانتصار عربي وفلسطيني مدوٍّ في المسابقة الدولية. فإلى جانب فوز المخرجة أسمهان بكيرات (Asmahan Bkerat) بجائزة الحمامة الفضية لأفضل فيلم وثائقي طويل لمخرج صاعد عن عملها الأردني الفلسطيني المشترك “Concrete Land” (Tiyaha)، خطف فيلم in memory of للمخرجة البلجيكية فلوريندا تشيوتشو (Florinda Ciucio) وبطولة الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد العمراني (Mohammed Alimrani) جائزة الحمامة الفضية (Silberne Taube) لأفضل فيلم وثائقي قصير في المسابقة الدولية للأفلام الوثائقية، وهي الجائزة المقدمة من مؤسسة (SLM) والتي سلمتها كاتيا روكل (Katja Röckel).

جاء هذا التتويج المستحق بعد قرار لجنة التحكيم الدولية التي ضمت في عضويتها المنتجة السورية ديانا الجيرودي (Diana El Jeiroudi) إلى جانب إيفان راملياك (Ivan Ramljak) وراؤول نينو زامبرانو (Raul Niño Zambrano)، والذين أكدوا في حيثيات حكمهم التاريخي أن الرسم داخل أحداث فيلم in memory of يتحول إلى “فعل مقاومة حي”. وكان فيلم in memory of قد شهد عرضه العالمي الأول في المهرجان ضمن برنامج الأفلام القصيرة المعنون “تلاشي الشهب” (Das Verglimmen von Sternschnuppen)، متنقلاً بين قاعات “Passage Kinos Wintergarten” و”Passage Kinos Astoria” وسينما “CineStar 6” وسط تفاعل جماهيري ونقدي استثنائي على مدار أيام المهرجان.

شعرية الاختزال البصري: من ظلال اليد فوق اللوح المضيء إلى شمس غزة ومقهى الباقة
ينطلق فيلم in memory of الممتد لأربع عشرة دقيقة من تقشف بصري مقصود يبلغ ذروة الكثافة الشعرية؛ فلا مشاهد أرشيفية صادمة للركام، ولا كاميرات تتجول بين الأنقاض، بل عتمة سينمائية هادئة يتوسطها لوح ضوئي (Lightpad) تعلوه أوراق بيضاء، وقلم رصاص، وظلال أصابع محمد العمراني وهي تتحرك بحنان وسرعة لتسترد مدينة لم تعد موجودة إلا في مخيلته. يفتتح العمراني هذا البوح الوجودي بصوته الدافئ متسائلاً بمرارة: كيف ننجو من كل هذا الدمار؟ وماذا يتبقى حين أغمض عيني؟ وماذا يبقى لي إذا لم ألجأ إلى الرسم والفن وصناعة الفيديو والاحتفاظ بها على هاتفي؟
من رحم هذا السؤال في فيلم in memory of، يبدأ القلم في تخطيط جغرافيا الحنين وعبارته المفتاحية “أنا أتذكر كل شيء” (I remember everything) تتردد كتعويذة ضد المحو. يرسم محمد بيت جده، ويستحضر بيوت عماته صفية وحجازية، وملامح شقيقته، قبل أن يعرج على الدكان العربي و”الميني ماركت” الخاص بابن عمه، موضحاً بعفوية آسرة كيف تنتشر هذه الدكاكين الصغيرة في غزة وتظل أبوابها مفتوحة دائماً على عكس المتاجر في أوروبا. وبين خطوط الشارع وخزانات المياه السوداء فوق الأسطح، يستعيد صوت والدته وهي تناديه: “يا محمد، اذهب!”، ليرسم نفسه بين الذهاب والبقاء منتظراً ذلك الرجل الكفيف جزئياً الذي لا يكاد يبصر إلا قليلاً، لكنه يمضي بدراجته الهوائية (basquelette) ليشتري الحليب.
يتوقف القلم عند شجرة في الطريق ليصف شمس مدينته بكلمات تقطر شجناً، مؤكداً أنه يحب البقاء هناك ليرى الشمس؛ فشمس غزة مختلفة، ملمسها مختلف، ولونها مختلف، والشعور بها هناك لا يشبه أي مكان آخر. ومن دفء الشمس ينحدر الخط نحو الشارع الموازي للبحر، حيث يستعيد مقهى واستراحة “الباقة” (Al-Baqa) الشهيرة؛ ذلك المكان الذي يحمل فيه ذكريات لا تحصى، حيث تقدم العصائر والكوكتيلات من المانجو والفراولة إلى جانب القهوة. هناك التقى بشريكة حياته “روان” للمرة الأولى أمام بحر هائل الاتساع، وتناولا معاً الذرة المشوية، متسائلاً بابتسامة خجولة عابرة للغات: “كيف تقولون ذرة (dora)؟”.
غير أن هذه البهجة سرعان ما تصطدم بواقع الفقد حين تتشابك الخطوط لترسم ازدحام البشر في الشوارع؛ فيتذكر ضجيج الحياة وأصوات الناس الذين كانوا يمشون ويتحدثون بلا انقطاع، قبل أن يهمس بحسرة: “الآن غزة مختلفة.. والآن أنصت إلى الأصوات في الشارع، أتذكر هذه الأصوات”.وفي قلب الميدان، يرسم محمد تمثال “طائر الفينيق” (العنقاء) الذي نحته أستاذه، كاشفاً سر هذا الرمز بقوله إن أستاذه صنعه لأن أهل غزة يشبهون أسطورة العنقاء التي تنهض من الرماد ولا تموت، ومؤكداً أنه ليس وحيداً في هذا الطريق بل يسير معه أناس كثر. وفي اللقطة الختامية من فيلم in memory of، حين ترفع الورقة ويبقى وهج الشاشة المضيئة، يعلن العمراني انتصاره الروحي الأخير: “لقد قررت أن أبقي شوارعي حية داخل مخيلتي، لأخلق عالماً موازياً.. عالماً يمكنني أن أكون فيه سعيداً”.

تلاقي الرؤى: زمن فلوريندا تشيوتشو المعلق في مواجهة الأرشيف الحي لمحمد العمراني
يمثل فيلم in memory of نقطة التقاء فريدة بين مسارين فنيين يتقاطعان عند فلسفة المشاهدة والذاكرة. فالمخرجة البلجيكية فلوريندا تشيوتشو (المولودة في أنتويرب عام 1993 وخريجة مدرسة LUCA للفنون في بروكسل) عُرفت في ممارستها البصرية والتركيبية بالعمل على الكادرات الثابتة، والفضاءات المعتمة، والزمن المعلق، موظفةً الإيقاع والتكرار لخلق لحظات تأمل بطيئة تقاوم ثقافة الاستهلاك البصري المفرط.

في المقابل، يحمل محمد العمراني إرثاً تشكيلياً محفوراً بالألم والأمل؛ فمنذ بداياته في غزة حيث أقام معرضه الأول عام 2019 قبل أن يدمر مرسمه وأعماله ويضطر للرحيل إلى فرنسا، تنقل بين إقامات فنية في باريس وغرينوبل وناربون وصولاً إلى معرضه الشهير “شهادات البراءة المهشمة” (Témoignages de l’innocence brisée) في مرسم ماري تيفرييه بمدينة مونلوسون، ورسوماته لرواية “Anah la Palestine” للكاتب أوليفييه بورداسار. وكما صنع بالحبر الصيني الأسود تحفته “غرنيكا غزة” (Guernica Gaza) التي وضع فيها شخصيات الطفولة مثل ميكي ماوس وسنووايت ومهرج لا يضحك يحمل جسداً هامداً وسط الجحيم كمرآة صادمة للإبادة، يأتي حضوره في فيلم in memory of ليكمل مشروعه في تحويل الجسد والورق إلى “أرشيف حي للذاكرة الفردية والجمعية” يرفض المحو والنسيان.

حوار خاص حول فيلم in memory of مع المخرجة البلجيكية فلوريندا تشيوتشو (Florinda Ciucio) والفنان الفلسطيني محمد العمراني (Mohammed Alimrani)
عقب عروض فيلم in memory of التي جابت قاعات Passage Kinos وسينما CineStar 6 ضمن برنامج “تلاشي الشهب” (Das Verglimmen von Sternschnuppen) وتتويجه بجائزة الحمامة الفضية في مهرجان لايبزيغ، التقينا في هذا الحوار الحصري بمخرجة العمل فلوريندا تشيوتشو وبطله الفنان التشكيلي محمد العمراني، في مكاشفة معمقة حول كواليس صناعة هذه الوثيقة السينمائية، وفلسفة الصورة، وأثر إرث ناجي العلي وأسطورة العنقاء في مواجهة الفناء.
في مستهل حوارنا مع المخرجة البلجيكية فلوريندا تشيوتشو حول فيلم in memory of، وضعناها أمام ذلك التنافر الزمني وتقاطع الوسائط الذي يختبره المشاهد داخل قاعات السينما المظلمة في لايبزيغ؛ فبينما يتابع الجمهور يدي محمد العمراني وهما ترسمان غزة فوق شاشة مضاءة من الخلف، يثور التساؤل حول كيفية تعاملها مع الاحتكاك الفني بين أسلوبها المرتكز على الكادرات الثابتة والفضاءات المعتمة والزمن المعلق، وبين المحو الفعلي العاجل في الوقت الحقيقي للأماكن المادية التي يحاول هو جاهداً الحفاظ عليها عبر فنه. وهنا تكشف فلوريندا تشيوتشو عن جوهر رؤيتها قائلة:
«ما أردت التعبير عنه في فيلم in memory of هو قوة عالمنا الداخلي ومخيلتنا وذكرياتنا. في مواجهة الشعور بالعجز إزاء الكثير من الأشياء التي تحدث في العالم، أجد أنه من الباعث على الأمل أن أفكر في أن شيئاً ما لا يزال بإمكانه الوجود في ذهني. وبالنسبة لي هو أيضاً فعل مقاومة؛ لا يمكنك محو ذكرياتي، وعقلي، ووجودي، عبر تدمير المباني والشوارع. أغمض عيني ولا يزال بإمكاني أن أكون هناك. لقد طلبت من محمد أن يركز على القصص الصغيرة في الشوارع؛ أي طريق سلكه إلى المدرسة، أين تقع المتاجر الصغيرة (الميني ماركت)، وأين حظي بموعده الأول مع زوجته. إن القصص الصغيرة وتفاصيل الحياة اليومية الروتينية هي بالنسبة لي ما يصنع إنسانيتنا، وعدم التفريط في هذه القصص من خلال التقاطها في الرسم، كان بالنسبة لـ فيلم in memory of بمثابة التقاط لنوع من المقاومة. يمكنك تدمير مبناي ولكن ليس وجودي الإنساني؛ أردت لمحمد أن يشعر بأن هناك شهادة على حياته هناك».
وحين انتقلنا بالحديث نحو “عمارة الذاكرة” وقرارها البصري في فيلم in memory of بتصوير يدي محمد وهما تخطان فضاءات بعينها — كالمتاجر الصغيرة، ومقهى “الباقة”، والبحر، وتمثال طائر الفينيق — لتسليط الضوء على عملية النظر والإنصات وسط ثقافة بصرية مفرطة التحفيز، سألناها عما إذا كان عزل عملية الرسم بصرياً أمام خلفية قاتمة منهجاً متعمداً لخلق ذلك “العالم الموازي” الذي يتحدث عنه، وحماية هذه الذكريات الهشة من الضجيج البصري للدمار المستمر. فتوضح تشيوتشو هذا البعد الأخلاقي والجمالي بقولها:
«نعم، جزء من هذا الشكل الفني في فيلم in memory of كان حقاً لمواجهة التحفيز الرقمي المفرط، خاصة ما اختبرناه حول الصور المروعة لغزة؛ هناك نوع من عامل فقدان الحساسية (التبلد) مع وسائل التواصل الاجتماعي والصور التي شعرت بها، حيث يتصفح الناس الشاشات ويمضون في يومهم. إذا جردنا كل شيء وعدنا به إلى بضعة خطوط بقلم الرصاص تمثل منزلاً، وروينا قصة عنه، فهل نستعيد حساسيتنا؟ إنسانيتنا؟ وجزء من سبب اختياري لهذا القالب أيضاً هو أنه في نهاية المطاف، حتى لو كانت هذه قضيتي كشخص يقف ضد الظلم، فهي ليست قصتي، إنها قصة الفلسطيني، لذلك أردت تكريم ذلك من خلال منح مساحة كافية للتحدث وبناء قصتهم وسرديتهم الخاصة. شعرت أن هذا القالب كرّم ذلك حقاً».
أما عن المشاهد الصوتية وثقل الغياب، وتحديداً حين يستعيد محمد أصوات المارة في الشارع الذين اعتادوا المشي والحديث هناك بلا انقطاع (“بلا بلا بلا”) قبل أن يهمس بأن “غزة الآن مختلفة”، فقد استوقفنا خلفية المخرجة في تصميم الصوت والتركيبات المكانية لنستكشف كيف صاغت الفضاء السمعي لـ فيلم in memory of لينقل وطأة ذلك الصمت والغياب المادي للحياة النابضة التي يرسمها، لتختتم فلوريندا حديثها بتكثيف فلسفي قائلة:
«أعتقد أن هذا يعود بنا مجدداً إلى تجريد كل شيء إلى أبسط عناصره. أردت اللعب على استخدام المخيلة عندما كنت تشاهد الرسومات؛ فالمخيلة تحفز الأمل، وهذا ما نحتاجه من أجل المستقبل».

ومن رؤية المخرجة، ينتقل خيط الحوار إلى روح فيلم in memory of وبطله الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد العمراني، الذي سبق أن استكشف في معرضه “شهادات البراءة المهشمة” (Témoignages de l’innocence brisée) الشكل البشري بوصفه “أرشيفاً حياً للذاكرة الفردية والجمعية”، مستخدماً الحبر لتذكر شعبه وحفظ الصور الهشة للحياة العادية. وحين واجهناه بعبارته المؤثرة التي ترددت أمام الجمهور الدولي في قاعات لايبزيغ:”لقد قررت أن أبقي شوارعي حية داخل مخيلتي”، متسائلين عما إذا كان رسمه الحي للمقهى والشوارع وتمثال الفينيق يمثل امتداداً لذلك الأرشيف الحي، ووسيلة لإعادة إعمار غزة ليس للمشاهد فحسب بل من أجل بقائه الشخصي، يفتح العمراني قلبه قائلاً:
«نعم، أرى هذه الرسومات التي ظهرت في فيلم in memory of امتداداً لما أسميه “الأرشيف الحي”. عندما أرسم مقهى، أو شارعاً، أو تمثال طائر الفينيق، فأنا لا أوثق الأماكن فحسب؛ أنا أحاول الحفاظ على شعور الوجود هناك: الأجواء، التفاصيل الصغيرة، واللحظات العادية التي غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد ولكنها تجعل المكان يبدو وكأنه وطن. بالنسبة لي، غزة ليست فقط صورة الدمار التي يراها الناس في الأخبار؛ إنها أيضاً الشوارع التي مشيت فيها، والمقاهي التي التقى فيها الناس، والوجوه، والأحاديث، والحياة اليومية التي كانت موجودة هناك. عندما أقول: “لقد قررت أن أبقي شوارعي حية داخل مخيلتي”، فإني أعني أن الرسم يتيح لي الحفاظ على علاقة مع مكان لم يعد بإمكاني الوصول إليه جسدياً. وبطريقة ما، يعد الرسم أيضاً شكلاً من أشكال البقاء؛ إنه يمنحني مساحة يمكن للذاكرة أن تستمر في الوجود داخلها، حيث يمكنني إعادة زيارة الأماكن المألوفة وإبقاؤها حية بداخلي. كما آمل أن تسمح هذه الرسومات للمشاهد بأن يلتقي بغزة من خلال منظور شخص عاش هناك، لما هو أبعد من صور الدمار».
ومع التباينات الحادة التي تميز أعماله في عكس البراءة المفقودة وأهوال الحرب، وصولاً إلى رسمه لتمثال الفينيق في غزة وتأكيده أن الناس هناك يشبهون أسطورة العنقاء التي لا تموت، سألنا العمراني عن مدى تغلغل هذه الفلسفة — جنباً إلى جنب مع إرث فنانين عظام مثل ناجي العلي الذين وثقوا التهجير والمقاومة الفلسطينية عبر الرسم — في مقولته الراسخة: “طالما من الممكن أن نرسم، فهذا يعني رفض المحو” (Tant qu’il est possible de dessiner… c’est refuser l’effacement). وهنا يتأمل محمد العمراني هذا الإرث الممتد ليقول في ختام حديثه:
«يعد طائر الفينيق رمزاً مهماً للغاية بالنسبة لي لأنه يمثل الاستمرارية، لأن الفينيق يولد من الرماد ولا يموت. عندما كنت أرسم تمثال الفينيق في غزة، كنت أفكر في الناس أنفسهم. شعرت أن قصة الفينيق عكست شيئاً يرتبط بعمق بحياتهم: القدرة على الاستمرار في تخيل مستقبل، حتى عندما يكون الحاضر صعباً للغاية. كما أثر فنانون مثل ناجي العلي في الطريقة التي أفهم بها الرسم؛ فقد أظهرت أعماله كيف يمكن لخط بسيط أن يحمل تاريخاً كاملاً، وتجربة شخصية، وذاكرة شعب. لقد ابتكر صوراً ظلت قوية لأنها كانت صادقة، ومباشرة، ومرتبطة بعمق بالحياة اليومية الفلسطينية. أنا لا أرى الرسم كوسيلة لشرح كل شيء؛ أحياناً يمكن لصورة واحدة، أو وجه واحد، أو تفصيل صغير واحد أن يحفظ شيئاً تعجز آلاف الكلمات عن التعبير عنه.بالنسبة لي، فإن جملة “طالما من الممكن أن نرسم، فهذا يعني رفض المحو” تعني أن كل رسمة هي فعل تذكُّر. إنها طريقة للقول إن هؤلاء الناس كانت لهم حيوات، وأحلام، وطفولة، وشوارع، وقصص شخصية. أريد لعملي في فيلم in memory of أن يتذكر ليس فقط ما فُقد، بل أيضاً ما يستمر في الوجود داخل مخيلتنا وقدرتنا على الإبداع. إن طائر الفينيق لا يعني أن شيئاً لم يُدمَّر؛ إنه يعني أن الدمار لا يملك الكلمة الأخيرة على ذاكرتنا، أو مخيلتنا، أو إنسانيتنا».

وهكذا، يغلق فيلم in memory of قوسه السينمائي البديع لا كمرثية تبكي الأطلال، بل كبيان بصري يتحدى العدم بسنّ قلم رصاص وورقة بيضاء فوق لوح مضيء. ففي تلك المساحة الحميمية التي جمعت حساسية فلوريندا تشيوتشو ببصيرة محمد العمراني، يتأكد لنا أن السينما الحقيقية قادرة بأبسط أدواتها على استرداد ما ظنت آلة الحرب أنها طمسته إلى الأبد؛ لتظل شمس غزة، ورائحة القهوة في استراحة “الباقة”، وأجنحة الفينيق المحلقة فوق الشوارع، محفورة في وجدان العالم كشهادة خالدة على أن الذاكرة وطن لا يقبل الهزيمة ولا يعرف الفناء.





