الرئيسية » فيلم My Brilliant Father: حين تتفكك سطوة اللغة أمام عدسة الابنة ويتوج البوح بجائزة ديفا في مهرجان لايبزيغ (حوار حصري مع تيتي هوفمان)

فيلم My Brilliant Father: حين تتفكك سطوة اللغة أمام عدسة الابنة ويتوج البوح بجائزة ديفا في مهرجان لايبزيغ (حوار حصري مع تيتي هوفمان)

المخرجة الألمانية تيتي هوفمان تتوسط ممثلي مؤسسة ديفا على خشبة المسرح لحظة استلامها الجائزة التشجيعية عن فيلم My Brilliant Father ضمن فعاليات الدورة 69 من مهرجان لايبزيغ

تتويج استثنائي في مهرجان لايبزيغ: فيلم My Brilliant Father ينتزع جائزة مؤسسة ديفا ويكسر تابوهات السينما الذاتية

شهد فيلم My Brilliant Father تتويجاً سينمائياً لافتاً على خشبة مسرح قاعة “Schaubühne Lindenfels” العريقة في ألمانيا، حيث أسدل الستار مساء السبت الحادي والثلاثين من أكتوبر 2026 على فعاليات الدورة التاسعة والستين من مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية وأفلام التحريك (DOK Leipzig) بحضور المديرة الفنية للمهرجان أولا شتازل (Ola Staszel) ونخبة من صناع السينما العالمية. وفازت المخرجة الألمانية تيتي هوفمان (Tete Hoffmann) بجائزة مؤسسة ديفا التشجيعية (DEFA Sponsoring Prize) البالغة قيمتها 4,000 يورو عن عملها الوثائقي الطويل الأول المعنون بالألمانية (Mein genialer Vater)، بعد عروض عالمية أولى كاملة العدد ضمن المسابقة الألمانية للأفلام الوثائقية في قاعات “CineStar 2″ و”Passage Kinos Wintergarten” و”Schauburg”.

مشهد من Die Narben meiner Mutter


يكتسب تتويج فيلم My Brilliant Father مذاقاً خاصاً لقراء موقع «بلاك كات 24»؛ إذ يمثل هذا الفوز تحققاً لنبوءة نقدية وصحفية بدأت في دورة العام الماضي (2025)، حين أجرينا حواراً حصرياً مع المخرجة تيتي هوفمان عقب العرض العالمي الأول لعملها القصير المصور على شريط 16 ملم «ندوب والدتي» (Die Narben meiner Mutter). في ذلك اللقاء المبكر، كشفت لنا هوفمان لأول مرة عن كواليس تطوير مشروعها الطويل حول علاقتها بوالدها المصاب بالخرف، لتعود هذا العام بعمل مكتمل النضج يمتد لسبع وثمانين دقيقة، واضعة اسمها في صدارة الأصوات الوثائقية الأوروبية الأكثر جرأة وصدقاً.

لقطة حميمية من المشاهد الخارجية لـ فيلم My Brilliant Father تظهر المخرجة تيتي هوفمان تستلقي على العشب بجوار والدها الكاتب يان كريست في إحدى الحدائق الطبيعية

صراع الكاتب مع تلاشي الكلمات ورقصة الثعلب في شوارع برلين

ينطلق فيلم My Brilliant Father من مفارقة تراجيدية وفلسفية بالغة القسوة: ماذا يحدث حين يفقد الكاتب، الذي شيد وجوده بالكامل فوق صرح اللغة، قدرته على الإمساك بالكلمات؟ بطل هذه الوثيقة السينمائية هو الكاتب والفنان البرليني الراحل يان كريست (Jan Christ)، واسمه الحقيقي كريستيان هوفمان (1934–2025)، الفائز بجائزة هامبورغ للأدب عام 1986 وصاحب روايتي “Anna Wentscher” و”Dissolution”. عاش الأب حياة استثنائية عابرة للأنظمة السياسية والاجتماعية، متنقلاً من طفولته في الحقبة النازية إلى العيش في ألمانيا الشرقية (GDR) إبان الحكم الشيوعي قبل استقراره في ألمانيا الغربية، ممتهناً بيع الكتب والتمثيل والتدريس قبل أن يكرس حياته للأدب.
داخل الفضاء الحميمي لشقته في فيلم My Brilliant Father، نرى يان كريست في سنواته الأخيرة وهو يصارع تشخيص إصابته بمرض الزهايمر، واصفاً حالته بمرارة ساخرة بأنها «الهوة التي أوجد فيها»، بينما يحاول جاهداً إنجاز عمله الأدبي العظيم الأخير المعنون «كتاب من الأعماق» (Buch vom Grunde). غير أن المخرجة تيتي هوفمان، التي بدأت تصوير والدها عام 2017 حين كانت لا تزال طالبة في العلوم الاجتماعية قبل انتقالها لدراسة الفنون والإعلام في جامعة برلين للفنون (UdK) تحت إشراف هيتو شتايرل وتوماس أرسلان، ترفض تحويل الكاميرا إلى أداة رثاء طبي؛ بل تنخرط معه في «لعبة ماكرة» تتأرجح بين التكريم والمواجهة، متسائلة ببصيرة نقدية حادة: من يملك الحق في الاستحواذ على الانتباه هنا ومتى؟ وهل يظل مباحاً الاستمرار في الاستكشاف حين يبدأ الأب والكاتب في التباعد؟
تتجلى الفرادة الأسلوبية في فيلم My Brilliant Father من خلال نهج الإنتاج الفردي الخالص؛ حيث تولت تيتي هوفمان بمفردها مهام الإخراج، وكتابة السيناريو، والتصوير، والمونتاج، والإنتاج، دون أي طاقم عمل يقتحم خصوصية العلاقة بين الأب وابنته. لقد نصبت الكاميرا فوق حامل ثلاثي أو على رف منزلي لتدور لساعات طويلة كرفيق ثالث صامت، موثقة التحول التدريجي من سطوة الحوار والتلاعب اللغوي المبتكر الذي اشتهر به والدها، إلى لغة اللمس الصامتة التي تتوجها لقطة أيديهما المتشابكة قبل رحيله بأشهر قليلة، حين أدركت الابنة أن العلاقة صارت أكثر رقة وعذوبة كلما تلاشت اللغة المنطوقة.
ولموازنة الكثافة الحوارية وصراع الأب المستميت مع الجمل والأفكار داخل فيلم My Brilliant Father، تستعين هوفمان — بالتآزر مع تصميم الصوت الدقيق للثنائي كريستيان أوبرماير (Christian Obermaier) ويوخن يزوسيك (Jochen Jezussek) — بموتيفة بصرية شاعرية تتمثل في قطع المشاهد نحو شوارع برلين الليلية المغطاة بالثلوج، حيث تتجول أنثى ثعلب وحيدة في العتمة. هذه اللقطات لا تمنح المشاهد فسحة للتنفس والصمت فحسب، بل تستدعي جملة الأب العبقري لابنته العبقرية حين يصفها قائلاً: «أنتِ أنثى ثعلب»، لتصبح تلك الكائنات الليلية المراوغة معادلاً بصرياً لذكاء المخرجة في مراوغة القوالب الوثائقية الجاهزة.

ل

حوار خاص حول فيلم My Brilliant Father مع المخرجة الألمانية تيتي هوفمان (Tete Hoffmann)

عقب تتويج فيلم My Brilliant Father بجائزة مؤسسة ديفا التشجيعية في مهرجان لايبزيغ، واستعداداً لمشاركته المرتقبة في حلقات النقاش النقدية العريقة ضمن «أسبوع دويسبورغ السينمائي» (Duisburg Film Week)، التقينا مجدداً بالمخرجة تيتي هوفمان لاستكمال الحوار الذي بدأناه معها العام الماضي، والغوص في البنية الأخلاقية والجمالية لعملها الطويل الأول.

في مستهل حوارنا مع المخرجة تيتي هوفمان حول فيلم My Brilliant Father، استعدنا معها ذكريات لقائنا في دورة 2025 حين وصفت مشروعها قيد التطوير آنذاك بأنه أداة للمحادثة والمساءلة، لنضعها اليوم أمام ذلك التوتر الخلاق الذي يحكم الفيلم؛ حيث يظهر والدها الراحل يان كريست وهو يناضل لإتمام كتابه الأخير «Buch vom Grunde» وسط تفكك الذاكرة والسلطة اللغوية، متأرجحاً بين إخراج نفسه أمام العدسة أو السماح لها بتوجيهه، متسائلين عن كيفية إدارتها لهذا الخيط الأخلاقي، وكيف تحولت غيرتها الطفولية القديمة من كتبه إلى سلام داخلي، لتكشف لنا هوفمان عن جوهر هذه العلاقة قائلة:

«لم تكن الكاميرا في فيلم My Brilliant Father مخبأة أبداً. كان والدي يعلم بوجودها، وقد استخدمها بالفعل؛ فقد كان كاتباً، ولذلك كان يمتلك دائماً حساً مسرحياً عالياً. في بعض الأحيان كان يُخرج نفسه، وفي أحيان أخرى كان يدعني أُخرجه، وأحياناً كنا نناقش المادة المصورة معاً. لم أكن أريد إظهاره كمريض، أو كشخص يتلاشى جسده، بل كإنسان يمتلك إرادته الخاصة واستقلاليته الذاتية. عندما كنت طفلة، كنت أشعر بالغيرة من كتبه، لأنها كانت تبدو دائماً في المقام الأول بالنسبة له. لقد ساعدتني صناعة هذا الفيلم في العثور على السلام الداخلي تجاه ذلك الأمر، من خلال المواجهة أولاً، وفي النهاية أيضاً من خلال الحنان والرقة اللذين طبعا علاقتنا في سنواته الأخيرة».

المخرجة تيتي هوفمان بجلسة أسئلة وأجوبة عقب عرض فيلمها العام الماضي 2025

وحين انتقلنا بالحديث نحو المعمارية الزمنية غير الخطية في فيلم My Brilliant Father، قارنا بين تجربتها السابقة في فيلم «Die Narben meiner Mutter» الذي صُنع تحت قيد مادي صارم لا يتجاوز ثلاث دقائق من شريط 16 ملم، وبين التحدي النقيض تماماً الذي واجهته هنا بتقطير ثماني سنوات كاملة من اللقطات التي دارت فيها الكاميرا لساعات فوق رف أو حامل ثلاثي إلى عمل يمتد لسبع وثمانين دقيقة يترجم تشظي الزهايمر ويستعين بأنثى الثعلب كفواصل للتنفس، فتوضح تيتي هوفمان كواليس غرفة المونتاج بقولها:

«ثماني سنوات من المواد المصورة، وغالباً ما كانت الكاميرا في فيلم My Brilliant Father تعمل ببساطة فوق حامل ثلاثي أو على رف. لم أكن أرغب في سرد المرض في خط مستقيم، من البداية إلى النهاية، لأن المرض نفسه لا يعمل بهذه الطريقة. وخلال عملية المونتاج، رافقتني كل من دانييلا كيناتيدر (Daniela Kinateder)، وكاتارينا لودين (Katharina Lüdin)، وتاشينا بونكه (Tashina Punke)، ومايا تينشتيت (Maja Tennstedt)، اللواتي شجعنني بقوة على إيجاد شكل فني خاص بي. لقد تحدثت دانييلا عن “خطوط الصراع” التي تسري عبر الفيلم بأكمله وتجتمع أخيراً في أحد المشاهد الأخيرة، بدلاً من اتباع خط زمني كرونولوجي تقليدي. ثم جاءت أنثى الثعلب كطبقة سردية مستقلة بذاتها؛ فهي تقسم الفيلم إلى فصول وتجلب معها لحظات من الهدوء والسكينة».

أما عن تفكيك الصورة النمطية لـ«الأب العبقري» عبر تقاسم الهشاشة الإنسانية في فيلم My Brilliant Father، فقد توقفنا أمام رفضها للوقوف في منطقة المراقب المحايد أو السقوط في فخ التقديس أو المرارة التي غالباً ما تطبع أفلام الأبناء عن الآباء المبدعين، واختيارها وضع نفسها داخل الكادر بكل غضبها وحيرتها، لتختتم تيتي هوفمان حوارها معنا بتأصيل فلسفتها حول السينما والكرامة الإنسانية قائلة:

«منذ البداية الأولى في فيلم My Brilliant Father، كان من المهم جداً بالنسبة لي أن أُظهر نفسي كشخص قابل للانكسار والهشاشة أيضاً. أنا لا أؤمن بالسينما الرصدية المراقِبة (Observational Cinema)، ولم أكن أريد الوقوف في الخارج حاملةً الكاميرا لأراقب والدي وهو يزداد ضعفاً. لذلك وضعت نفسي داخل الكادر، بغضبي، وعجزي، وهشاشتي الشخصية. لا أعتقد أن الفيلم كان يمكن أن ينجح بأي طريقة أخرى. أنا ممتنة للغاية لأن والدي منحني إمكانية مواجهته؛ ويمكنك رؤية ذلك في أحد المشاهد الأولى، عندما أنعته بـ”المستعرِض” (Show-off) فيضحك من ذلك. لقد كانت الكاميرا أداة سمحت لي بلقائه بطريقة مختلفة والاشتباك معه ومع فنه، وهو الأمر الذي كان يمثل أهمية قصوى بالنسبة له دائماً: كيف يتم تلقي فنه والتعامل معه. بالنسبة لي، فإن الكرامة في الرعاية تعني وضع استقلالية الشخص في المقام الأول حيثما كان ذلك ممكناً».

لقطات مجمعة توثق حضور الجمهور وصناع السينما على مسرح لايبزيغ خلال حفل توزيع الجوائز وإعلان فوز الوثائقي الألماني My Brilliant Father

بهذه المكاشفة الشجاعة، يرسخ فيلم My Brilliant Father مكانته كأحد أصدق المنجزات الوثائقية في عام 2026؛ عمل لا يكتفي بتوثيق رحيل كاتب كبير، بل يعيد تعريف معنى البنوة والرعاية والسينما ذاتها. فبين دفتي الكاميرا التي دارت لثماني سنوات، استطاعت تيتي هوفمان أن تحول خوف الفقد وغيرة الطفولة إلى وثيقة حب أبدية، تثبت أن الفن الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على اقتسام هشاشتنا الإنسانية دون أقنعة، وحين تمنح العدسة لمن نحبهم حقهم الكامل في البقاء أحراراً حتى اللحظة الأخيرة.