Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » كتاب “تحت الحصار” (“UNDER SIEGE”) – الأب البائع والابن الواجهة: حين يروج ترامب لوهم الحصار في كتاب ابنه إريك

كتاب “تحت الحصار” (“UNDER SIEGE”) – الأب البائع والابن الواجهة: حين يروج ترامب لوهم الحصار في كتاب ابنه إريك

كتاب تحت الحصار، يظهر دونالد ترامب وهو يحمل كتاب ابنه إريك، في مشهد يجسد ظاهرة "الأب البائع والابن الواجهة" التي يناقشها المقال.

بلاك كات 24 : الولايات المتحدة _ كتابٌ جديد يظهر في سوق الأوهام السياسية، حيث تُصنع الحقائق وتُباع المظلومية لمن يدفع أكثر. إنه منتج لامع على الرفوف، يحمل اسم إريك ترامب وعنوان “تحت الحصار”. يُعتبر كتاب تحت الحصار ظاهرة في حد ذاته، ويُقال لنا إنه “يحطم الأرقام”، وإنه متصدر. ولكن، أي أرقام يحطمها؟ ومن هم هؤلاء الذين يهرعون لشرائه؟ الإجابة، بكل تأكيد، تكمن في الحشود المخلصة نفسها التي تشتري القبعات الحمراء والهواتف الذهبية. إنهم لا يشترون كتابًا بالمعنى الحقيقي، بل يشترون صك غفران لولائهم، وتأكيدًا مطبوعًا على أن شعورهم بالاضطهاد حقيقي. هذا الكتاب ليس ظاهرة ثقافية، بل هو عملية تجارية ناجحة داخل طائفة سياسية مغلقة، حيث يبيع الأب الوهم، ويقوم الابن بتغليفه، ويشتريه الأتباع ليزينوا به مكتباتهم كدليل على إيمانهم.

كتاب "UNDER SIEGE" معروض في عدة نسخ مكدسة بجانب قبعات حمراء تحمل شعارات ترامب، مما يعكس تحويل الكتاب إلى منتج ضمن الحملة السياسية والتجارية لعائلة ترامب.

يُسوَّق للكتاب باعتباره “مذكرات كاشفة” تروي “لحظات مفاجئة ومؤثرة”. ولكن، هل نتوقع حقًا مفاجآت؟ هل تكشف هذه “المذكرات” عن حقائق لم نكن نعرفها، أم أنها مجرد صدى مكبر لصوت الأب في حنجرة الابن؟ يَعِدُنا إريك بـ “نظرة غير مفلترة” على حياته، لكن كل كلمة في الوصف الترويجي تبدو مفلترة بعناية فائقة لتخدم رواية واحدة: رواية الحصار. من “ذكرياته المبكرة” إلى “قيادة منظمة ترامب” في وجه “معارضة غير مسبوقة”، السردية جاهزة ومعلبة، تذكرنا بعنوان كتاب تحت الحصار. إنه ليس استكشافًا للذات، بل هو بناءٌ لتمثال، تمثال للابن كـ “متدرب أصلي” ووريث شرعي لإمبراطورية وُلدت من رحم الدعاية.

صورة بالأبيض والأسود تجمع دونالد ترامب مع ابنه إريك في ملعب للجولف.

ثم يأتي جوهر الكتاب، قائمته الطويلة من المظالم: مداهمة مار-آ-لاغو، “محاولات الاغتيال”، “روسيا جيت”، قاعات المحاكم “الفاسدة”، الإعلام “الكاذب”، والرقابة. تُقدَّم هذه الأحداث لا باعتبارها عواقب لأفعال مثيرة للجدل، بل كفصول في ملحمة اضطهاد. وهنا يبلغ الزيف ذروته بالادعاء بأن الهجوم لم يكن على الرئيس أو عائلته، بل “أمريكا نفسها كانت تحت الحصار”. أليس هذا هو التساؤل البلاغي الأكبر؟ هل كانت أمريكا هي التي “تحت الحصار” حقًا، أم أن حصار الحقيقة والقانون كان يضيق الخناق على إمبراطورية بُنيت على الرمال المتحركة للواقع البديل؟ الكتاب يعبر عن مفهوم “تحت الحصار” بطريقة درامية.

هذا الكتاب ليس أدبًا، بل هو بيان مظلومية؛ ليس سيرة ذاتية، بل هو سجل شكاوى. إنه مصمم لجمهور لا يبحث عن الحقيقة، بل عن تأكيد لما يؤمن به مسبقًا. إنهم لا يقرؤون ليتعلموا، بل ليُطمئنوا أنهم على الجانب الصحيح من التاريخ، وأن معركتهم نبيلة، وأن قائدهم وعائلته ضحايا أبرياء. وبهذا المعنى، فإن تصدر الكتاب، كتاب تحت الحصار، للمبيعات ليس مقياسًا لجودته الأدبية أو الفكرية، بل هو مؤشر دقيق على عمق الاستقطاب والانقسام، حيث أصبحت القراءة فعل ولاء، لا فعل اكتشاف.

صورة لكامالا هاريس وهي تحتضن كتابها الجديد "107 Days" أمام مكتبة مليئة بالكتب، مرتدية بدلة بني وقلادة بيضاء.
كامالا هاريس تكشف عن كتابها “107 Days” الذي يروي قصة حملتها الرئاسية القصيرة في 2024، مع الإعلان عن إصداره في 23 سبتمبر 2025.

وفي المقابل، نجد كامالا هاريس تروي قصة “107 أيام” من الفشل السياسي في كتاب جاف ومصطنع. كلاهما، ترامب وهاريس، يستخدمان الورق المطبوع كدرع أخير للهروب من المساءلة. كلاهما يبيعان نسخًا مزينة من تاريخهما، واحدة بصوت عالٍ وغاضب، والأخرى بصوت خافت وبيروقراطي. إنها أعراض لمرض أعمق في جسد السياسة الأمريكية، حيث لم يعد هناك فارق بين رجل الدولة والبائع المتجول، وبين المذكرات والإعلان التجاري.

كتاب إريك  يتصدر قائمة "الأكثر مبيعًا" على أمازون، حيث يظهر في المرتبة الأولى، مما يشير إلى الإقبال الشرائي من قبل قاعدة ترامب السياسية.

ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الكلمات بضجيج الترويج لها أو بعدد النسخ المباعة، بل بقدرتها على لمس ضمير الحقيقة؛ ضمير يظل حيًا وصامدًا، حتى وإن حاصرته كل جيوش الزيف في العالم. هذا هو ما يجعل “كتاب تحت الحصار” موضوعاً للنقاش وتذكيراً بالواقع المختلف.