بلاك كات 24 : الولايات المتحدة _ في كتاب “107 أيام”، تكشف كامالا هاريس عن صفحات أكثر حقب مسيرتها السياسية اضطرابًا. يُقدَّم هذا العمل الصادر منذ ساعات قليلة، والذي يؤرخ لحملتها الرئاسية الخاطفة عام 2024، بوصفه روايةً للإلهام والصمود في وجه تحدياتٍ غير مسبوقة. ولكن، بينما تحتفي الأوساط الإعلامية بقصة أول امرأة من أصل أفريقي وآسيوي تبلغ منصب نائب الرئيس، فإن كتاب “107 أيام لكامالا هاريس” يثير من الأسئلة الشائكة أكثر مما يقدم من إجابات شافية. ويبقى التساؤل الأكبر، الذي يطغى بصداه على أي دعاية للكتاب، هو: ما الذي أُغفِلَ تدوينه في هذه الصفحات البرّاقة؟

سباق نحو السلطة: الرواية الرسمية
لا يمكن لأحد أن ينكر الأهمية الاستثنائية للإطار الزمني الذي تتناوله المذكرات. فإثر انسحاب جو بايدن المفاجئ، وجدت هاريس نفسها في خضم سباق محموم مع الزمن. تسرد فصول الكتاب، ببلاغة متوقعة، كواليس تشييد حملة رئاسية من العدم في غضون مئة وسبعة أيام فقط. نطالع بين السطور تفاصيل القرارات الاستراتيجية، وديناميكيات فريق العمل، والمساندة العائلية؛ وهي عناصر صيغت بعناية فائقة لتقديم صورة قائدة فذة، قادرة على تحويل الفوضى إلى فرصة سانحة. يلمّح الكتاب بذكاء إلى المستقبل، فاتحًا الباب أمام احتمالية خوضها غمار الرئاسة عام 2028، مما يجرده من كونه مجرد وثيقة تاريخية ليصبح أشبه ببيان تأسيسي لطموحها السياسي القادم. ولكن، هل هذه الجسارة الموصوفة في مقارعة التحديات السياسية الداخلية، تمتد لتشمل مواجهة الحقائق المريرة على المسرح الدولي؟

الجريمة الصامتة: غزة وأزمة الضمير
هنا يتلاشى بريق الإلهام المزعوم، ليبدأ صمتٌ مطبقٌ ومُرِيع. كتاب “107 أيام لكامالا هاريس” ليس مجرد سرد لسباقها المحموم نحو السلطة، بل يحمل في طياته السؤال عن دورها في واحدة من أشد القضايا الأخلاقية إلحاحًا في عصرنا: حرب غزة. هل يتطرق الكتاب، ولو في فصل عابر، إلى الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته إدارة بايدن-هاريس لإسرائيل، بينما كانت تقارير الإبادة الجماعية تملأ الشاشات وتهز ضمير العالم؟
يُقدِّم الكتاب نفسه درسًا في “الشفافية والمسؤولية”، فأين هي هذه الشفافية المزعومة حين يتعلق الأمر بآلاف الشهداء من الأطفال والنساء والمدنيين العزل؟ هل نجد بين طياته أي اعتراف بالمسؤولية أو حتى إشارة ندم على المواقف التي تبنتها إدارتها؟ أم أن دماء شهداء غزة كانت مجرد تفصيلٍ مزعجٍ، وجب حذفه بعناية من سجل “الإرث” الذي تصبو هاريس إلى ترسيخه؟ إن الصمت هنا ليس مجرد إغفال، بل هو اختيار فاضح. في كتاب “107 أيام لكامالا هاريس”، تتجلى هذه التساؤلات الكبرى.

هوة المصداقية: هل يصدّق الأمريكيون الرواية؟
إن جوهر المأزق الذي تواجهه هاريس، والذي يعجز كتابها عن رأبه، هو هوة المصداقية السحيقة. كيف للناخبين الشباب والمجتمعات المهمشة، الذين تدّعي هاريس أنها تمثل مصدر إلهام لهم، أن يضعوا ثقتهم في قائدة تتغنى بالعدالة الاجتماعية في الداخل، بينما تقف صامتة أمام أحداثٍ جسامٍ تهز ضمير العالم؟ إن كتاب “107 أيام لكامالا هاريس” يقدم لنا نسخة منقّحة ومصقولة من كامالا هاريس، صيغت خصيصًا لتلائم طموحات المستقبل. غير أن الأمريكيين، الذين عايشوا الانقسامات الحادة وشاهدوا بأعينهم هول المشاهد القادمة من غزة، يستحقون ما هو أعمق من مجرد رواية مُصاغة بعناية. لم يعد السؤال “ماذا أنجزتِ في 107 أيام؟”، بل أصبح: “بماذا كنتِ تفكرين حين كان ضمير الإنسانية يحترق، وهل تملكين الشجاعة لتدوين ذلك؟”.

من منظور أدبي وثقافي، يقع كتاب “107 أيام لكامالا هاريس” في فخ المذكرات السياسية الحديثة التي تخلط بين التوثيق والتلميع، وبين السيرة الذاتية والحملة الانتخابية. لغة الكتاب، وإن بدت احترافية، إلا أنها تفتقر إلى الروح الحقيقية للاعترافات الصادقة؛ فهي لغة مدروسة ومصقولة بعناية لتجنب أي زلل قد يؤثر على الصورة الذهنية المرسومة سلفًا. هل نقرأ الصوت الحقيقي لكامالا هاريس، أم صدىً منمقًا لفريق من الخبراء الاستراتيجيين وكُتاب الظل؟ يتحول الكتاب بذلك من عمل أدبي محتمل إلى أداة علاقات عامة، تهدف إلى بناء إرث مؤجل وتعبيد الطريق نحو المستقبل. إن السردية الخالية من التصدعات والشكوك الذاتية لا تعكس قوة الشخصية، بل تعكس الخوف من المحاسبة، وهو ما يفرغ العمل من أي قيمة ثقافية تتجاوز حدود اللحظة السياسية الراهنة.
السؤال المستحيل: هل تنتهي الرحلة في لاهاي؟
في خطوة قد تمثل ذروة الصدق في مسيرتها، هل يمكن أن تفاجئنا كامالا هاريس وتُظهر شجاعة حقيقية تتجاوز ما خطّه قلمها؟ هل ستبهر العالم بتقديم نفسها طواعية للمحكمة الجنائية الدولية، لمساءلتها عن مسؤولية إدارتها تجاه الجرائم المرتكبة في غزة؟ وهل ستشهد على بايدن وترامب، فتُماط اللثام عن أسرار السياسة الخارجية التي ظلت حبيسة الأدراج؟ لا شك أن هذا تساؤل يقترب من الخيال السياسي، ولكنه يكشف بوضوح حجم الفجوة بين صورة القائدة الملهمة التي يسوقها كتاب “107 أيام لكامالا هاريس”، وبين الواقع المعقد للمسؤولية السياسية والأخلاقية. إنه السؤال الذي يحوّل الكتاب من مجرد سرد تاريخي إلى دليل إدانة لانفصالها عن نبض العدالة في العالم.
إرثٌ على ورق
قد يحقق كتاب “107 أيام” نجاحًا تجاريًا بدعم هاريس، ويحتل مكانته على أرفف السير الذاتية السياسية. سيقرأه الأنصار بوصفه شهادة على صلابة امرأة استثنائية. لكن بالنسبة لكثيرين، سيبقى كتاب “107 أيام لكامالا هاريس” رمزًا لإرثٍ بُني على ورق؛ إرثٌ برّاق المظهر، لكنه واهٍ في جوهره، لأنه يتجنب بجبنٍ مواجهة أصعب الأسئلة وأكثرها إلحاحًا. فهل “107 أيام” هو الفصل الأخير في قصة صعودها، أم أنه مجرد غلاف أنيق يخفي حقيقة أشد تعقيدًا؟ يبدو أن الإجابة لن تكون بين دفتيه.


