بلاك كات 24 : كوريا الجنوبية _ على سواحل كوريا الجنوبية، حيث يعانق البحر الصاخب هدوء المدينة، تلألأت على مدار عشرة أيام أضواء لا تخبو، إنها أضواء مهرجان بوسان السينمائي الدولي، الذي تجلّى في دورته الثلاثين، والتي امتدت من السابع عشر وحتى السادس والعشرين من سبتمبر 2025، كشهادة حيّة على قدرة لغة الصورة في كسر كل الحواجز. لم تكن هذه الفترة مجرد عروضٍ سينمائية، بل كانت احتفالية كبرى بالروح الإنسانية، التأم فيها شمل ما يربو على ربع مليون من عشاق الفن السابع، ليحتفوا بالحكايات الجديرة بأن تُروى في مهرجان بوسان السينمائي الدولي.

لقد استحالت المدينة لوحة سينمائية عملاقة، أضاءت فيها إحدى وثلاثون شاشة عبر سبع من دور السينما العريقة، من مركز بوسان للسينما المهيب إلى العروض الخارجية الساحرة في ساحة BIFF، لتستقبل ثلاثمئة وثمانية وعشرين فيلمًا من أربع وستين دولة. لم تكن هذه مجرد أرقام، بل كانت مئتين وإحدى وأربعين قصة رسمية، من بينها تسع وتسعون حكاية تُعرض للمرة الأولى عالميًا، مُعلنةً عن ميلاد مواهب جديدة ورؤى تتحدى المألوف. وقد امتلأت القاعات بـ مئتين وثمانية وثلاثين ألفًا وستمئة وسبع وتسعين روحًا شغوفة، وفدوا من كل حدب وصوب، ليشاركوا في نسج لحظات خالدة في مهرجان بوسان السينمائي الدولي، وليؤكدوا أن وهج السينما لم ولن ينطفئ.
بيد أن نبض بوسان الحقيقي كان يتردد خلف الكواليس، في الحوارات التي أثرت العقول والقلوب. لم تكن مجرد فعاليات، بل كانت ملتقياتٍ ملهمة جمعت بين كبار الصناع والمواهب الناشئة، حيث تحولت خمس محاضرات خاصة وخمسة دروس للأساتذة (Masterclasses) إلى دروس في الحياة على يد عمالقة مثل الإيطالي ماركو بيلوكيو. وفي ثلاثة عشر حوارًا مفتوحًا وأربع جلسات في “بيت الممثلين”، تلاشت الحواجز بين النجوم وجمهورهم، مما حول التجربة السينمائية إلى علاقة إنسانية حميمة تتألق خلال مهرجان بوسان السينمائي الدولي.
وفي قلب هذا المشهد النابض، برز “سوق المحتوى والأفلام الآسيوي” كمهدٍ لأحلام الغد. فبمشاركة تجاوزت ثلاثين ألفًا من أربع وخمسين دولة، تحول السوق إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث عُقدت آلاف الاجتماعات التي سترسم ملامح السينما في الأعوام القادمة. هنا، لم تكن القصص مجرد نصوص، بل كانت مشاريع حية تتنفس وتنتظر من يمنحها الضوء في مهرجان بوسان السينمائي الدولي.

وعندما أَزِفَت لحظة التكريم، احتفى المهرجان بالأصوات التي يستحيل إخراسها. فقد مُنحت جائزة “مخرج العام الآسيوي” للإيراني جعفر بناهي، الذي أضحت سينماه رمزاً للمقاومة الفنية. كما كُرِّم الكوري تشونغ جي-يونغ، الذي جعل من عدسته صوتًا للقضايا الاجتماعية، والتايوانية الأيقونية سيلفيا تشانغ، التي جسدت الإبداع النسائي في أبهى صوره.
أما في ميدان المنافسة، فقد خطف فيلم “Gloaming in Luomu” للمخرج الصيني تشانغ لو جائزة بوسان الكبرى، آخذًا إيانا في رحلة بصرية عميقة الروح. غير أن النجم الأبرز الذي تلألأ في سماء بوسان كان الفيلم الإندونيسي/السعودي “On Your Lap”، للمخرج رضا راهاديان، والذي لم يكتفِ بجائزة واحدة، بل حصد أربع جوائز كبرى، ليغدو حديث المهرجان دون منازع، مُثبتًا أن القصة الصادقة، حين تُروى ببراعة، قادرة على عبور كل الثقافات والحدود.

ومع إسدال الستار على هذه الدورة الاستثنائية، لم يخلّف مهرجان بوسان وراءه مجرد أرقام وإحصاءات، بل ترك إرثاً من الأمل. لقد كانت شهادةً راسخةً على أن السينما، في جوهرها، ليست مجرد ترفيه، بل هي نافذة نطل منها على أرواح بعضنا البعض، وجسر نعبر به فوق اختلافاتنا، وضوء لا ينطفئ يبدد عتمة العالم خلال كل نسخة جديدة لـ مهرجان بوسان السينمائي الدولي.


