Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » وفاة الموسيقار هاني شنودة: نهاية رحلة عبقري أحدث ثورة في الموسيقى المصرية

وفاة الموسيقار هاني شنودة: نهاية رحلة عبقري أحدث ثورة في الموسيقى المصرية

صورة باللونين الأبيض والأسود للموسيقار هاني شنودة مغمض العينين ويرفع يديه عالياً كأنه يقود أوركسترا بتأثر وعمق

دلالات البقاء والخلود في السينما والأغنية بعد وفاة الموسيقار هاني شنودة

بلاك كات 24 : القاهرة _فقدت الساحة الفنية المصرية والعربية أحد أبرز أعمدتها، حيث أُعلنت وفاة الموسيقار هاني شنودة في المجمع الطبي للقوات المسلحة بالمعادي عن عمر ناهز الثالثة والثمانين عاماً. برحيل شنودة، المولود في مدينة طنطا في التاسع والعشرين من أبريل عام 1943 والخريج من كلية الموسيقى عام 1966 والمعهد العالي للموسيقى “الكونسيرفتوار”، تُطوى صفحة استثنائية من تاريخ الموسيقى الحديثة. لم يكن الراحل مجرد ملحن وموزع تقليدي، بل كان رائداً حقيقياً أدرك مبكراً ضرورة تحديث البناء الصوتي للأغنية العربية، ليتجاوز النمط الأحادي (المونوفونيك) ويؤسس لمرحلة تعتمد على الهارموني والكونتربونت، مما أحدث ثورة حقيقية في المفردات الموسيقية وفتح آفاقاً فنية لم تكن تخطر ببال أحد من قبل.

صورة نادرة بالأبيض والأسود للموسيقار هاني شنودة يعزف على الأورج وسط أعضاء فرقة المصريين


شرارة تأسيس فرقة المصريين
تستدعي وفاة الموسيقار هاني شنودة استذكار مسيرته الرائدة التي انطلقت بشراكات استثنائية، أبرزها تأسيس فرقة “المصريين” في الثامن من ديسمبر عام 1977. تعود الفكرة الأساسية لتكوين هذه الفرقة إلى نصيحة ملهمة من الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي اقترح على شنودة توظيف الموسيقى الغربية في قوالب عربية مبتكرة تخلو من المقدمات الطويلة والإعادات. ورغم التحديات الأولى، ومنها عدم نجاح ألبوم محمد منير الأول “علموني عنيكي” بسبب مشاكل تقنية تتعلق بنقل الأغاني للكاسيت، أصر الموسيقار الكبير هاني شنودة على رؤيته. أطلق الألبوم الأول لفرقة المصريين بعنوان “بحبك لا”، والذي حقق نجاحاً مدوياً لكونه يقدم لوناً غير مسبوق، ليفتح الباب أمام تأسيس أكثر من 128 فرقة موسيقية لاحقاً، من بينها الفور إم، الأصدقاء، النهار، وطيبة. ضمت الفرقة في بداياتها إيمان يونس، ثم منى عزيز، وتحسين يلمظ، وممدوح قاسم، ورغم تفككها لاحقاً بسبب ظروف سفر بعض الأعضاء ووفاة آخرين كصلاح جاهين وعبد الرحيم منصور، إلا أن بصمتها ظلت محفورة في وجدان المستمعين.

النجم عمرو دياب يغني على المسرح وينظر بتقدير للموسيقار هاني شنودة أثناء عزفه على البيانو


الموسيقار هاني شنودة صانع النجوم وعمالقة الغناء
لا يمكن توثيق تفاصيل وفاة الموسيقار هاني شنودة دون التوقف عند عبقريته في اكتشاف وصناعة أهم نجوم الأغنية. فهو صاحب الفضل الأول في تقديم محمد منير، حيث لحن له أربع أغنيات في ألبومه الأول وقام بتوزيع الألبوم كاملاً، ثم كرر التجربة في ألبوم “بنتولد” عبر تلحين ثماني أغنيات وتوزيع العمل بأسره، ليساهم في تحقيق منير مبيعات تجاوزت أربعين ألف نسخة في بداياته. كما سطر شنودة قصة اكتشاف عمرو دياب، بعد أن طرق الشاب باب غرفته في فندق ببورسعيد إثر إحدى حفلات فرقة المصريين. تبنى شنودة موهبة الشاب الواعد، وأقنعه بالتخلص من لكنته البورسعيدية والانتقال إلى القاهرة، وساعده في الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، ثم قدمه في أول ألبوماته “يا طريق” عام 1983. ولم يقتصر دعمه على الألحان والتوزيع، بل اصطحبه للتعرف على كبار الشعراء وعلمه أصول الوقوف أمام الميكروفون داخل الاستوديو.

صورة مجمعة تظهر المخرج أحمد قرمد برفقة الموسيقار هاني شنودة، بالإضافة إلى لقطات لتكريم فيلم "عذرًا الموج عالٍ" يظهر فيها المخرج أيمن شاهين والسيناريست تامر عرفات يحملان الجوائز


بصمات خالدة في السينما المستقلة والتجارية
بالتزامن مع ريادته الغنائية وإبداعه لألحان خالدة عبرت عن نبض الشارع مثل رائعة “زحمة يا دنيا زحمة”، ترك الراحل ألحاناً أيقونية لعمالقة الطرب، مثل “بحلم معاك” و”أنا بعشق البحر” لنجاة الصغيرة، و”هدى الليل” لفايزة أحمد، إلى جانب توزيعه أغنيتي “دنيا جديدة” و”على وش القمر”. كما امتد إبداع هاني شنودة إلى السينما المصرية، واضعاً الموسيقى التصويرية لأفلام كلاسيكية مثل المشبوه، الحريف، الغول، غريب في بيتي، الأسطى المدير، وشقة الأستاذ عليوة. وفي امتداد طبيعي لدعمه للفن الجاد، وضع بصمته الموسيقية الراقية في السينما المستقلة من خلال فيلم “عذرًا الموج عالٍ” للمخرج أحمد قرمد، وهو العمل الذي ناقش قضايا مجتمعية بالغة الأهمية كالبطالة والهجرة غير الشرعية. وإيماناً منه برسالة العمل النبيلة ودعمه المستمر للشباب، ضرب الراحل أروع الأمثلة في العطاء حينما رفض تقاضي أي أجر مادي مقابل إبداع موسيقاه التصويرية لهذا الفيلم، الذي صاغ أحداثه السيناريست تامر عرفات، وضم فريق عمل متميز شمل المنتج الفني المخرج أيمن شاهين، ومدير الإنتاج أحمد خلف، والمونتير عماد راضي، إلى جانب طاقم التمثيل بقيادة مصطفى عبد المقصود ومها راضي. وقد كُللت هذه الرؤية الفنية الصادقة بحصد الفيلم للمركز الثاني في مهرجان مزدة الدولي للأفلام القصيرة عام 2016، فضلاً عن مشاركته البارزة في مهرجان السماوة السينمائي الدولي بدولة العراق ومهرجان ساقية الصاوي الثاني عشر للأفلام التسجيلية بجمهورية مصر العربية. هكذا استمر عطاء شنودة حتى سنواته الأخيرة، مقدماً حفلات محلية ودولية كبرى، ليظل رمزاً فنياً معطاءً ونموذجاً يُحتذى به في التواضع والاحتضان الحقيقي للإبداع والمواهب.