مسيرة تسعة عقود، ألكسندر كلوجه والاشتباك المعرفي بين صرامة الفلسفة وسحر الفن السابع
بلاك كات 24 : ألمانيا _يمثل رحيل المفكر السينمائي ألكسندر كلوجه (Alexander Kluge) في الخامس والعشرين من مارس 2026 بميونيخ، نهاية حقبة ذهبية من الفلسفة البصرية التي زاوجت بين صرامة “مدرسة فرانكفورت” وسحر الفن السابع. لم يكن ألكسندر كلوجه مجرد مخرج فاز بالأسد الذهبي في فينيسيا، بل كان “أركيولوجياً للمشاعر” ومنقباً عن “الألماس الخام” في ركام التاريخ الألماني المثقل بالحروب. إن فلسفة ألكسندر كلوجه قامت على مبدأ “تفتيت الوعي التقليدي” عبر تقنية الكولاج السينمائي، حيث آمن بأن الخيال هو السلاح الوحيد القابل للاستخدام في مواجهة “برودة” العالم وقسوة التاريخ. ومن خلال موقعه كأحد الموقعين على “بيان أوبرهاوزن” (Oberhausener Manifest)، قاد ألكسندر كلوجه ثورة “السينما الألمانية الجديدة” التي حررت الفن من القيود التجارية، ليحول الشاشة إلى فضاء للنقد الاجتماعي والسياسي.

كشفت مسيرته عن شخصية موسوعية نجحت في أن تكون محامياً يدافع عن الحقوق الإنسانية، وأديباً يصيغ القصص القصيرة بلغة سينمائية، ومنتجاً تلفزيونياً استعمر الفضاءات الخاصة لزرع الثقافة الرفيعة، مما جعل ألكسندر كلوجه حالة فنية وفكرية فريدة لن تتكرر في التاريخ الثقافي المعاصر.
رحيل فيلسوف الصورة في ميونيخ
أعلنت دار “سوهركامب” (Suhrkamp Verlag) للنشر عن وفاة المخرج والكاتب الكبير ألكسندر كلوجه عن عمر ناهز 94 عاماً في منزله بميونيخ، محاطاً بعائلته. وقد جاءت الوفاة يوم الأربعاء 25 مارس، لتفقد ألمانيا واحداً من أعظم عقولها التي شكلت ملامح البلاد ما بعد الحرب. وقد نعى مهرجان برلين السينمائي الدولي (Berlinale) الراحل بكلمات مؤثرة، وصفه فيها بأنه “ضيف عزيز رافق تاريخ المهرجان الطويل والملهم، وبفضل شغفه بصناعة الأفلام وتفكيره النقدي وقوة سرده، استطاع ألكسندر كلوجه أن يصيغ ملامح السينما الألمانية ويلهم أجيالاً من المبدعين”. إن فقدان ألكسندر كلوجه هو فقدان لصوت الحكمة والبحث الدائم عن الحقيقة وسط فوضى العصر.

نعي وزارة الثقافة الألمانية: رائد العمل الريادي
في بيان رسمي، أكدت وزارة الدولة للثقافة الألمانية (Staatsministerin für Kultur) أن ألكسندر كلوجه قدم عملاً ريادياً في السياسة الثقافية والاجتماعية عبر كافة الوسائط؛ سواء في السينما أو الأدب أو التلفزيون. وأشارت الوزارة إلى دوره كمبادر لـ “سينما المؤلف” (Autorenkino) وممهد للطريق لنظام دعم الأفلام في ألمانيا، وصولاً إلى كونه منظراً للتلفزيون المستقل عبر برامج مثل “Spiegel TV”، حيث استطاع بمهارته السردية أن يثير فضول الجمهور ويحفز الناس على التفكير المستمر.
الجذور الفلسفية وتكوين الوعي
وُلِد ألكسندر كلوجه عام 1932 في مدينة هالبرشتات، وشكلت نجاته من قصف المدينة عام 1945 نقطة التحول المركزية في حياته، ليصبح هاجس “منع الكوارث” هو المحرك الأساسي لإبداعه. درس ألكسندر كلوجه الحقوق والتاريخ وموسيقى الكنيسة في جامعة فرانكفورت، وتتلمذ على يد الفيلسوف “تيودور أدورنو” (Theodor W. Adorno) الذي كان يراه “تلميذه المفضل”. هذا التكوين جعله واحداً من آخر حاملي مشاعل النقد الثقافي في “مدرسة فرانكفورت”، جنباً إلى جنب مع رفيق دربه يورغن هابيرماس (Jürgen Habermas). آمن كلوجه بأن الفن أداة للاستنارة، وهو ما تجلى في كتابه “المشاع والخبرة” (Öffentlichkeit und Erfahrung).

ثورة السينما الجديدة وتحطيم القوالب
بصفته محامياً شاباً، أصبح ألكسندر كلوجه القوة الدافعة وراء “بيان أوبرهاوزن” عام 1962. قدم فيلمه الروائي الأول “Abschied von Gestern” عام 1966، الذي حصد الأسد الفضي في فينيسيا. وتوج بالأسد الذهبي عام 1968 عن فيلمه “Die Artisten in der Zirkuskuppel: ratlos”، حيث استخدم أسلوباً تجريبياً يدمج الصوت غير المتزامن والسرد غير الخطي لإجبار الجمهور على “التفكير النشط”، وهو الأسلوب الذي وثقته الدراسات النقدية كعلامة مسجلة باسم كلوجه.
رسالة السلام والالتزام الإنساني
ظل ألكسندر كلوجه طوال حياته “رجل سلام” مخلصاً، نابعاً من تجربته كطفل في زمن الحرب، وهو ما جعله يرفض منطق العنف في أعماله. ورغم الجدل حول بعض مواقفه السياسية المتأخرة، ظل مؤمناً بأن “الاستعادة والترميم” النفسي والفكري يسبق أي انتصار مادي. تحول الألم الشخصي لديه إلى خطاب كوني يلهم المجتمعات للبحث عن “مخارج الطوارئ” من الكراهية عبر الفن والخيال الشعري، مما جعل المؤسسات الثقافية الكبرى تنعي كلوجه كأحد أهم أعمدة الثقافة الحديثة.
الريادة التلفزيونية والأدبية وصناعة الوعي
اقتحم ألكسندر كلوجه عالم التلفزيون عام 1987 بتأسيس شركة DCTP، لضمان وجود نوافذ ثقافية في القنوات التجارية، محولاً الشاشة الصغيرة إلى جامعة مفتوحة. وفي الأدب، اشتهر بقصصه القصيرة الدقيقة مثل “Lebensläufe” و”Schlachtbeschreibung”. إن قدرة كلوجه على الموازنة بين كونه مفكراً نخبوياً ومنتجاً ناجحاً جعلت منه نموذجاً للمثقف العضوي الذي لا ينفصل عن واقع مجتمعه.

الوداع الأخير وإرث ألكسندر كلوجه الخالد
مع رحيل ألكسندر كلوجه في ميونيخ، يترك خلفه إرثاً لا ينضب؛ من سبر أغوار التاريخ إلى استشراف آفاق الذكاء الاصطناعي في كتابه “Der Konjunktiv der Bilder”. سيبقى ألكسندر كلوجه حياً في ذاكرة السينما والفكر كفنان برهن على أن “الدفء الإنساني” يظل الملاذ الأسمى والرهان الباقي لمواجهة برودة العالم وقسوة التاريخ.


