الرئيسية » المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) في حوار خاص لـ «بلاك كات 24»: من أروقة دور الرعاية إلى فينيسيا.. حين تصبح الكاميرا صوتًا للأرواح المهمشة

المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) في حوار خاص لـ «بلاك كات 24»: من أروقة دور الرعاية إلى فينيسيا.. حين تصبح الكاميرا صوتًا للأرواح المهمشة

المخرجة ألينا سربان تبتسم بفخر أثناء حملها جائزة الجمهور على مسرح مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2026

المخرجة ألينا سربان: “أردت تقديمهم كبشر كاملين”.. عن رفض تجميل الألم واسترداد حق تمثيل مجتمعها

كتب وحاورها لـ «بلاك كات 24» : أحمد قرمد

بعيدًا عن بريق الشاشات الذي قد يمحوه الزمن، هناك سينما تُنحت من التجربة لا من الزينة. في هذا السياق تقف المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) كحالة فنية شديدة الخصوصية: مبدعة لم تكتفِ باختراق حواجز التهميش، بل أعادت صياغة تاريخها وتاريخ مجتمعها بضربات سينمائية واثقة.

صورة طفولة النجمة الرومانية ترتدي فستاناً أزرق وقبعة كلاسيكية مزينة وسط الألعاب


من طفولة قاسية كُتبت فصولها الأولى في دور الرعاية في رومانيا، انطلقت ألينا سربان (Alina Șerban) في مسار تعليمي شاق. صارت أولى أفراد عائلتها حصولًا على شهادة الثانوية، ثم تخرجت في جامعة المسرح والسينما الوطنية (UNATC) في بوخارست، قبل أن تصقل أدواتها في برنامج بـ NYU Tisch School of the Arts في نيويورك، وتتوج دراستها بماجستير من الأكاديمية الملكية للفنون المسرحية (RADA) في لندن.

المخرجة ألينا سربان ترفع قبضتها احتفالاً بفوزها بجائزة التمثيل الألمانية وهي ترتدي فستاناً أحمر

لم يكن هذا المسار مفروشًا بالورود، لكنه تُوّج باعتراف دولي ووطني وضع اسمها في دائرة الضوء. عُرفت أولًا كممثلة ذات حضور حاد حين حصدت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان تالين «Tallinn Black Nights Film Festival» عام 2019، ثم جائزة أفضل ممثلة في حفل جوائز التمثيل الألمانية (Deutscher Schauspielpreis) عن أدائها في فيلم Gipsy Queen. ولم يتوقف التكريم عند الشاشة؛ فقد منحتها الدولة الرومانية واحدًا من أرفع تكريماتها الوطنية، حيث قُلِّدت «وسام الاستحقاق الثقافي» (Ordinul Meritul Cultural) برتبة «فارس» (Knight) من قِبل رئاسة الجمهورية، لتكون أول امرأة من مجتمع الروما تحظى بهذا التكريم الرفيع، تقديرًا لإسهامها في محاربة التمييز وتصحيح الصورة النمطية وتوثيق تراث مجتمعها.

لحظات الاحتفال بجائزة الجمهور في مهرجان فينيسيا السينمائي مع فريق العمل ورفع تمثال الجائزة


وفي الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان فينيسيا السينمائي، التي امتدت فعالياتها خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر الجاري، سجلت المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) حضورًا استثنائيًا على السجادة الحمراء، لا كممثلة هذه المرة — وقد سبق أن حضرت المهرجان عام 2023 مع طاقم Housekeeping for Beginners — بل ككاتبة ومخرجة لأول أفلامها الروائية الطويلة. فيلمها I Matter (Eu Contez) عُرض عالميًا ضمن قسم Venice Spotlight، وهو القسم الذي يراهن المهرجان من خلاله على أصوات أكثر جسارة.
ويُعد هذا العمل أول فيلم روائي طويل لمخرجة من مجتمع الروما يُختار في مهرجان من الفئة الأولى.

صانعة الأفلام الرومانية ترتدي وشاحاً أحمر وقميصاً يحمل عبارة طاقة إيجابية أثناء جلوسها على قارب


ومن خلال هذا الفيلم، الذي اقتنص جائزة الجمهور «Armani Beauty Audience Award» المخصصة لأفلام قسم Spotlight، لا تقدم ألينا سربان (Alina Șerban) شريطًا متقن الصنع فحسب، بل وثيقة بصرية تنتزع حق مجتمعها في تمثيل نفسه بعيدًا عن قوالب التهميش والاستجداء. العمل، وهو تطوير لفيلم قصير بالعنوان نفسه عام 2021، يُروى بالرومانية والروماني، ويواكب ريبيكا — فتاة شابة من الروما على وشك مغادرة دار الرعاية — وهي تتعلق بأمل خروج والدها من السجن، ثم تجد نفسها مقبولة لدراسة التمثيل، قبل أن يتصادم العالمان اللذان تتحرك بينهما. البطولة للممثلة الصاعدة Denisa Farcaș، وإلى جوارها شباب قادمون من نظام الرعاية الاجتماعية، من بينهم مقيمون في «Casa Iosif» و«Casa Sara» ببوخارست.
في موقع «بلاك كات 24»، الذي يسعى إلى الاحتفاء بالتجارب التي تمسّ الروح بعيدًا عن أي تجميلٍ زائف، كان لنا هذا الحوار مع المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban)، لنسألها كيف تحولت الكاميرا بين يديها من آلة تسجيل إلى أداة استرداد للكرامة.

المخرجة Alina Șerban في لقطة تأملية خلف زجاج نافذة وأمامها دفتر ملاحظات وقلم

رحلة المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban): السينما ضد رومانسية الألم


انطلقنا مع المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) من الجذور التي ألهمت I Matter (Eu Contez). سألناها عن المساحة الفاصلة بين التجربة الذاتية القاسية والخيال الدرامي، قائلين:
«إن فيلمكِ مستوحى بشكل مباشر من مسار حياتكِ الشخصية، من نشأتكِ في دور الرعاية، مرورًا بمعارككِ الوجودية، وصولًا إلى وقوفكِ على المسرح والآن خلف كاميرا الإخراج لتتوجي في البينالي. عندما كنتِ تعملين مع الممثلة الصاعدة Denisa Farcaș والشباب القادمين من نظام الرعاية الاجتماعية الذين شاركوا في العمل، ما هو الشعور الذي أردتِ أن يتملكهم حيال هذه القصة؟ وما الذي رفضتِ تمامًا إضفاء طابع رومانسي أو تجميلي عليه؟»

فنانة وكاتبة رومانية تتحدث عبر الميكروفون خلال ندوة فنية مرتدية قميصاً أبيض أنيقاً


جاء رد المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) مباشرًا، وخاليًا من أي تنميق:
«كل ما أردته، وببساطة شديدة، هو أن يتم وصف هؤلاء الشباب وتصويرهم كبشر كاملي الأوصاف والإنسانية. إذا انطلقنا من هذه الفكرة الأساسية كقاعدة للعمل، فهذا يعني أننا سنكون أمام طاقتهم الحيوية النابضة بالحياة.. طاقتهم الشابة، المشرقة، والمتمردة أحيانًا. أردت أن يراهم الجمهور محملين بالعيوب والنواقص، ولكن في الوقت ذاته مليئين بالصفات الرائعة، تمامًا كأي إنسان آخر على وجه الأرض، بمسراتهم وأحزانهم، بانتصاراتهم الصغيرة وانكساراتهم العابرة على حد سواء».

صانعة الفيلم الروماني تتوسط مجموعة من الشباب والأطفال المشاركين بالعمل على السجادة الحمراء في البينالي


وتستطرد المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban):
«لقد كنت صارمة جدًا في نقطة محددة؛ أنا لم أرد على الإطلاق أن أضفي أي طابع رومانسي زائف على كل ما يصاحب صدمة التخلي والهجر (Trauma of abandonment). الحياة في تلك الأروقة ليست كذلك، وتجميل الألم هو خيانة للحقيقة. وفي الوقت نفسه، رفضت رفضًا قاطعًا أن يُنظر إلى هؤلاء الأطفال فقط من خلال عدسة صدماتهم أو مآسيهم. إنهم أكبر من مجرد ضحايا لظروفهم، وهم يمتلكون أرواحًا تتوق للحياة، وتستحق أن تُروى حكاياتها بصدق وكرامة، بعيدًا عن الكليشيهات المعتادة».
هذا التوازن — بين رفض تجميل الجرح ورفض اختزال أصحابه في الجرح — هو ما يمنح الفيلم ثقله، وهو أيضًا ما يفسر حرارة استقبال الجمهور في إيطاليا، حيث لم يُطلب من المتفرج أن يشفق، بل أن يرى.
من أمام الشاشة إلى خلفها: عبء السرد في مسيرة المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban)
بالانتقال من الأداء التمثيلي إلى مسؤولية الإخراج، توقفنا عند محطة فاصلة. بعد سبع سنوات على تتويجها عن Gipsy Queen، تعود ألينا سربان (Alina Șerban) إلى مهرجان من العيار الثقيل، هذه المرة ككاتبة ومخرجة تمسك بزاوية الرؤية. سألناها:

بطلة فيلم جيبسي كوين داخل حلبة الملاكمة ترتدي قفازات حمراء وتستمع لتوجيهات المدرب في مشهد درامي


«ما الذي تغير في الطريقة التي تروين بها قصص النساء الرومانيات (Roma women) بمجرد أن أصبحتِ أنتِ من يمسك بالكاميرا ويصنع الكادر ويحدد زاوية الرؤية؟»
تجيب المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) لـ «بلاك كات 24»:
«بكل صدق وصراحة، ومنذ بداية مسيرتي المهنية قبل سبعة عشر عامًا، بدأت بالفعل ممارسة دوري كراوية للقصص (Storyteller). بدأت ذلك أولًا عبر خشبة المسرح، حيث المواجهة المباشرة مع الجمهور، ثم انتقلت إلى الأفلام القصيرة، وصولًا الآن إلى فيلمي الروائي الطويل. لذلك، كنت أدرك جيدًا ومنذ وقت مبكر للغاية مدى أهمية وخطورة أن نمتلك تمثيلًا حقيقيًا لأنفسنا (Self-representation). حتى عندما كنت أعمل كممثلة مع مخرجين آخرين، كنت أحرص دائمًا على أن أكون قادرة على إيصال وجهة نظري وفرض رؤيتي الإنسانية داخل العمل لتكون الشخصيات حقيقية وغير مشوهة».

المخرجة ألينا سربان في لقطات مجمعة تضم ملصق فيلمها الأحدث ولحظة تتويجها بإحدى الجوائز السينمائية


وتضيف المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) عن تحدي قيادة I Matter (Eu Contez):
«من الواضح أن الوقوف ككاتبة ومخرجة كان تحديًا أكبر بكثير، ومسؤولية مضاعفة. لكن ممارسة السرد الدرامي ورواية الحكايات كانت تترسخ بداخلي طوال تلك السنوات، كشجرة تضرب بجذورها في الأرض. لقد تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز وصناعة هذا الفيلم بفضل التعليقات والملاحظات القيمة من أشخاص رائعين في صناعة السينما، أولئك الذين دعموني وساعدوني في صياغة هذه القصة وبلورتها بطريقة تظل وفية لروحي وحقيقتي، وفي الوقت نفسه تحافظ على أعلى المعايير الفنية والجمالية التي يتطلبها شريط سينمائي متكامل».
ما يتضح من كلام المخرجة ألينا سربان (Alina Șerban) ليس خطابًا عن الإعجاز، بل وعيًا حرفيًا: أن من يملك الكاميرا يملك حق منع التشويه، وأن تمثيل الذات ليس شعارًا بل مسؤولية يومية على الكادر وعلى الممثل وعلى الجملة الدرامية.
إنجاز ألينا سربان (Alina Șerban) لا يُقاس فقط بصعود منصة في ليدو. أهم ما في عملها أنه يرفض أن يحوّل أبناء نظام الرعاية إلى مادة للشفقة، ويرفض في الوقت نفسه أن يجمّل القسوة كي تمرّ بسلاسة على المتفرج. من خلال كاميرا لا تجامل، منحت مساحة ضوء لأصوات طالما أُجبرت على الصمت، وكتبت اسمها — بثبات لا بضجيج — في واحدة من أهم محطات السينما الأوروبية هذا العام. والمستقبل، بالنسبة لمبدعة ما زالت في بداية طريقها كمخرجة أفلام طويلة، أوسع مما يتيحه خطاب الخلود المبكر.