لحظة الوداع الاحتفالي بأبهى صورها في ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي
بلاك كات 24 : كوريا الجنوبية، جونجو _بعد عشرة أيام من الإبحار في عوالم السينما المغايرة، أسدل الستار في مدينة جونجو الكورية على واحدة من أكثر الدورات حيوية في تاريخ السينما الآسيوية، حيث شهدنا ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي في نسخته السابعة والعشرين.

انطلقت هذه الرحلة الإبداعية في التاسع والعشرين من أبريل لعام 2026 باحتفالية افتتاحية رصينة في مركز «Sori Arts Center of Jeollabuk-do»، والتي شهدت العرض الكوري الأول لفيلم الافتتاح «Late Fame» للمخرج الأمريكي Kent Jones وبطولة النجمين Willem Dafoe وGreta Lee؛ وهو العمل الذي غاص في أعماق الهوية الفنية عبر قصة شاعر يُعاد اكتشافه، مما مثّل استهلالاً فلسفياً وجمالياً لافتاً لدورة رفعت شعار «Beyond the Frames». لقد نجح المهرجان هذا العام في تحويل المدينة بأكملها إلى مختبر بصري مفتوح يتنفس فناً في كل زاوية، محتضناً 236 فيلماً من 54 دولة، من بينها 77 عرضاً عالمياً أولاً، مما عزز مكانته المرموقة كمنصة دولية لا غنى عنها لاكتشاف الأصوات المستقلة الواعدة ودعم التوجهات الطليعية المبتكرة.

إن الأجواء الاحتفالية التي سادت في هذا اليوم الأخير لم تكن مجرد مراسم لوداع الوفود الدولية، بل كانت احتفاءً بانتصار الرؤية الفنية الحرة على القوالب التجارية الجاهزة، حيث تعانق سحر الفن السابع مع عبق التاريخ في أرجاء مدينة جونجو، لتصل الرحلة في 8 مايو 2026 إلى محطتها النهائية في «Jeonbuk National University Samsung Arts Center». امتدت العروض المكثفة لتشمل 21 شاشة موزعة بذكاء على خمسة مسارح رئيسية، حيث شهد يوم الختام عروضاً استثنائية لأفلام متميزة مثل «Nadja» و«The Yearbook: Waiting for the Teacher» و«Ideal and Weird Family» و«All You Need to Make a Movie Is a Gun»، مما أتاح للجمهور فرصة أخيرة لاستيعاب الدروس الجمالية التي قدمتها هذه الدورة قبل الإعلان الرسمي عن انتهاء الفعاليات. إن النجاح التنظيمي المبهر يعكس الجهود المضنية التي بذلتها اللجان المنظمة لضمان تجربة شمولية (Barrier-free) وصلت إلى ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال 15 فيلماً مهيأً، مما جعل السينما حقاً إنسانياً متاحاً للجميع يتنفس في أزقة شارع الأفلام وقرية هانوك التاريخية، ويؤكد أن مدينة جونجو باتت عاصمة عالمية لسينما الـ «Avant-garde» أو السينما الطليعية التي تخاطب الوجدان الجمعي بروح منفتحة وشجاعة، تاركة خلفها إرثاً سينمائياً وتأثيراً ثقافياً يتجاوز حدود الشاشات التقليدية ليصبح جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي للمدينة والجمهور العالمي.

تتويج الإبداع وإعلان الجوائز
مثلت لحظة إعلان الجوائز الذروة العاطفية التي انتظرها صناع الأفلام، حيث أُعلنت الجوائز رسمياً في الخامس من مايو، لكن يوم ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي في الثامن من مايو شهد تكريماً احتفالياً للفائزين في “Jeonbuk National University Samsung Arts Center” بحضور جماهيري وإعلامي مكثف. حصد فيلم «The Night Is Fading Away» للمخرجين Ezequiel SALINAS وRamiro SONZINI الجائزة الكبرى (Grand Prize) في المسابقة الدولية، في خطوة وصفتها اللجنة بأنها نداء إنساني يبرهن على أن سينما الشعب لن تندثر أبداً، مقدمة رؤية بصرية مذهلة تتقصى ما هو مرئي وما هو مخفي خلف العدسة. وفي المسابقة الكورية، كان الموعد مع التألق لفيلم «The Summer That Slipped Away» للمخرجة LEE Seonyeon، الذي اقتنص الجائزة الكبرى نظير شجاعتها في تصوير الوحدة والتكاتف في أوقات الشدة، مبرزة موهبة استثنائية في إدارة السرد البصري. كما حصل فيلم «Chronovisor» للمخرجين Jack AUEN وKevin WALKER على جائزة أفضل فيلم، وحقق فيلم «Touch, took» للمخرج TAE Jiwon الجائزة الكبرى للأفلام القصيرة، بينما نال فيلم «Karma» للمخرج KIM Myunwoo جائزة لجنة التحكيم الخاصة والجائزة الوثائقية. ولم تقتصر الجوائز على المخرجين، بل امتدت لتشمل الأداء التمثيلي، حيث نال KI Jinwoo جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم «INSOMNIA»، مناصفة مع YEO Daehyun عن فيلم «Living Through the Same Season». شارك في مراسم التكريم المديران المشاركان MIN Sungwook وJUNG Junho، إلى جانب المبرمجين MOON Seok وSung MOON وMolly KIM، والأمين العام JANG Seongho، في مشهد يجسد وحدة القيادة التي قادت المهرجان نحو التميز، مؤكدين في بيانهم الختامي أن المهرجان سيظل منصة لدعم الأفلام التي تتبنى استراتيجيات التجديد البصري والاشتباك مع الواقع الاجتماعي بروح نقدية مستنيرة.

«The Longest Night: Namtaeryeong»: تجليات الفيلم الختامي
كان فيلم «The Longest Night: Namtaeryeong» للمخرجة KIM Hyunji هو النجم الأبرز الذي أضاءت به شاشات العرض في ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي، حيث عُرض في تمام الساعة الثامنة مساءً ليكون مسك الختام لدورة استثنائية استطاعت أن تعيد الاعتبار للسينما الوثائقية كأداة فاعلة للمقاومة السلمية وتوثيق الذاكرة الجمعية. يوثق الفيلم، بأسلوب فني يمزج بين التوثيق السياسي الرصين والشعرية البصرية، أحداث ليلة 21 ديسمبر 2024 في ميدان Namtaeryeong، حيث يرصد صمود المتظاهرين في مواجهة قوات الأمن في ظل ظروف سياسية بالغة التعقيد، مسجلاً ما يُعرف بـ “Battle of Namtaeryeong”؛ وهي الواقعة التي كادت أن تُمحى من الذاكرة العامة لولا هذه المكاشفة السينمائية الجريئة التي أعادت استحضار الروح النضالية لفريق Jeon Bong-jun Struggle Team. إن ما ميز العرض هو قدرته الفائقة على إيقاظ الذاكرة وتصوير ملاحم التضامن الإنساني الفريدة بين الفلاحين والشباب والنساء، مركزاً بشكل خاص على الدور القيادي للنساء في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهن كقوة دافعة ومركزية للتغيير المجتمعي الشامل. يصور الفيلم لحظات حميمية تجسد روح التكافل من خلال توزيع الطعام والمساعدات، محولاً الساحة العامة إلى فضاء رحب لكافة الفئات الاجتماعية والمطالبين بالعدالة والكرامة الإنسانية، مما يعكس نضجاً فكرياً وبصرياً للمخرجة KIM Hyunji التي حولت الواقعة السياسية إلى فن إنساني رفيع يتجاوز حدود التقرير الصحفي التقليدي. تضمن العمل لقطات مذهلة تدمج بين تسجيلات وسائل التواصل الاجتماعي والخطب الحية الصادقة التي ألقيت في تلك الليلة الشتوية، مما خلق نسيجاً بصرياً يتنبأ بكيفية تشكل الحركات الاجتماعية في المستقبل وقدرتها على الصمود أمام أعنف التحديات اللوجستية. وقد تلا العرض نقاش مفتوح أضاف بعداً نقدياً ومعرفياً للتجربة، حيث أكد الحضور أن اختيار هذا الفيلم للختام هو رسالة قوية من إدارة المهرجان حول دور السينما في حماية الديمقراطية وضرورة الحفاظ على جذوة الأمل مشتعلة في القلوب، مما جعل اللحظات الأخيرة من الدورة السابعة والعشرين تنبض بالإرادة التي لا تلين أمام التحولات الرقمية أو الضغوط السياسية المعاصرة، مؤكداً أن الصورة ستظل دائماً هي الحصن الأخير للحقيقة والضمير الإنساني الحي.

مؤتمر الصحافة والزخم الدولي
لم تكن الفعاليات الإعلامية أقل أهمية من العروض ذاتها، حيث شهد اليوم الأخير في ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي مؤتمراً صحفياً موسعاً حضره كوكبة من الضيوف الدوليين لمناقشة مخرجات الدورة السابعة والعشرين وتأثيرها الفني على المشهد العالمي. شارك في المؤتمر المديران المشاركان للمهرجان MIN Sungwook وJUNG Junho، والمبرمج MOON Seok، بالإضافة إلى المخرجين المتوجين مثل Jack AUEN وEzequiel SALINAS وRamiro SONZINI وKIM Hyunji، مما أتاح فرصة نادرة للمكاشفة الفنية بين المبدعين والنقاد. كما ضم اللقاء مبرمجين دوليين يمثلون أعرق المهرجانات العالمية من “برلين” و“لوكارنو” و“تورونتو” و“سنغافورة”، إلى جانب شخصيات بارزة مثل Mark PERANSON وPascale BODET وTSUCHIDA Tamaki، والناقد Jordan CRONK، مما أعطى للنقاش صبغة عالمية رصينة. ركزت النقاشات على أهمية السينما المستقلة كحائط صد ضد التنميط الثقافي، ودور المهرجان في دعم الأصوات السينمائية الجديدة التي تمتلك رؤية طليعية قادرة على تفكيك الأطر التقليدية للسرد البصري. أكد المشاركون أن شعار «Beyond the Frames» لم يكن مجرد شعار ترويجي، بل كان استراتيجية عمل واضحة انعكست في جودة الاختيارات وعمق الحوارات النقدية التي دارت في كواليس المهرجان، وساهمت في تعزيز مكانة جونجو كمركز عالمي للثقافة السينمائية المستقلة. كما تم استعراض نجاح مبادرات المهرجان مثل “Project JEONJU” و“100 Films 100 Posters” التي أثبتت أن السينما يمكن أن تتقاطع مع التصميم والفنون التشكيلية لتخلق تجربة ثقافية متكاملة، مؤكدين أن الدورة السابعة والعشرين وضعت معايير جديدة لكيفية إدارة المهرجانات الدولية بذكاء يوازن بين الأصالة الفنية والانتشار الدولي الواسع في ظل بيئة سينمائية دائمة التغير.

إرث مستدام وتغطية حصرية
واكب موقع بلاك كات 24 فعاليات هذا المحفل العالمي منذ انطلاقته، مقدماً تغطية مهنية تليق بحجم الإبداع المستقل وقوة التأثير الثقافي الذي يتجلى في ختام مهرجان جونجو السينمائي الدولي. ومع إسدال الستار رسمياً، يترك المهرجان إرثاً ثقافياً عميقاً يتجاوز الأيام العشرة للفعاليات، حيث نجحت هذه الدورة في ترسيخ قيم الاستدامة والشمولية والتعاون المجتمعي العابر للحدود. لقد تجسدت هذه القيم من خلال مبادرات رائدة مثل “Street Screening” التي نقلت السينما من الصالات المغلقة إلى أزقة قرية هانوك وشارع الأفلام، مما خلق حالة من التلاحم الفريد بين الفن والفضاء العام. إن النجاح الباهر لهذه النسخة السابعة والعشرين، تحت قيادة MIN Sungwook وJUNG Junho، لم يقتصر على عرض 236 عملاً سينمائياً فحسب، بل امتد ليشمل أنشطة تفاعلية أثرت الوعي الجمعي مثل معرض «100 Films 100 Posters» وكشك الطباعة “J Frame”، مما ساهم في إيصال روح المهرجان إلى جمهور أوسع وتفاعل أكبر من شتى الفئات العمرية. لقد أثبت المهرجان أنه ليس مجرد حدث سنوي عابر، بل هو منصة حية للسينما المستقلة والتجريبية التي تفتح آفاقاً جديدة للحوار بين الشعوب، وتدعم الجيل القادم من السينمائيين الباحثين عن لغات بصرية مغايرة تتحدى النمطية وتستشرف آفاق “ما وراء الإطار”.

إن التزام المهرجان بالمسؤولية الاجتماعية والبيئية عبر توسيع نطاق الأفلام المتاحة لذوي الاحتياجات الخاصة (Barrier-free) يعكس رؤية حضارية تجعل من الفن وسيلة للتمكين والإدماج الشامل. بهذا الختام، يمهد مهرجان جونجو الطريق لمستقبل أكثر إشراقاً للسينما الكورية والعالمية، مؤكداً أن الفن سيظل الجسر الأسمى لفهم تعقيدات الوجود البشري ومعالجة قضايا العصر بروح نقدية شجاعة. ويبقى العمل الثقافي مستمراً للتنفس السينمائي كحياة، وللفهم الأعمق للعالم من حولنا بكل تفاصيله الجمالية التي لا تحدها أطر تقليدية، ليظل المهرجان دائماً بوصلة للإبداع الحر في قلب القارة الآسيوية، تاركاً أثراً يمتد طويلاً في نفوس كل من شارك في هذه التظاهرة الاستثنائية التي احتفت بالإنسان والسينما في آن واحد.


