Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم Alberi erranti: بين قسوة الواقع السردي وسحر الحكاية الخرافية

فيلم Alberi erranti: بين قسوة الواقع السردي وسحر الحكاية الخرافية

الممثل روميو بيروني (Romeo Perrone) في دور جوليانو وسط الأطفال في الغابة ضمن أحداث فيلم Alberi erranti

صدام الواقع والخرافة: فيلم Alberi erranti يعري وحشية المجتمع المعاصر

بلاك كات 24 : سويسرا _كيف يمكن لعمل سينمائي يمتد لثلاث ساعات أن يوازن ببراعة بين الواقعية الخشنة والفانتازيا الحالمة؟ في أحدث إبداعاته، يلقي بنا المخرج Salvatore Mereu في قلب رحلة ملحمية عبر فيلم Alberi erranti (الأشجار التائهة)، والذي ينافس في المسابقة الرسمية (Concorso Internazionale) ضمن فعاليات Locarno Film Festival، الممتد من 5 إلى 15 أغسطس 2026.

الملصق الرسمي لفيلم Alberi erranti يظهر وجهي الأبطال متداخلين مع أشجار الغابة

بين قسوة الواقع السردي وسحر الحكاية الخرافية
يستند العمل إلى رواية الكاتب Alberto Capitta الصادرة عام 2013 والتي تحمل عنوان “Alberi erranti e naufraghi”، ليقدم لنا شريطاً سينمائياً جريئاً تصل مدته إلى 180 دقيقة. لا يقدم فيلم Alberi erranti مجرد قصة تقليدية، بل يتعمد منذ اللحظة الأولى زج المشاهد في عالم يقف على الحافة بين قسوة الواقع ونعومة الحكايات الخرافية، حيث يرى المخرج أن الدخول في عالم الخرافة يتطلب من المتلقي المخاطرة وقبول اللامعقول.

الممثل Romeo Perrone يتحدث مع طفل وسط مجموعة من الأطفال في الغابة في فيلم Alberi erranti

صراع العائلات: ذكورية سامة في مواجهة الطبيعة
يضعنا السرد أمام مواجهة طاحنة تشبه صراع عائلتي كابوليت ومونتاجيو في رائعة روميو وجولييت. من جهة، نجد عائلة Arca، المكونة من الأب Piero (الذي يلعبه الممثل القدير Alessandro Haber) وابنه Giuliano (الذي يؤديه Lupo Barbiera في طفولته ثم Romeo Perrone في شبابه)، وهما يعيشان على الهامش المجتمعي في مزرعة متهالكة لإنقاذ ورعاية الحيوانات الجريحة. ومن جهة أخرى، تبرز عائلة Nonne الإقطاعية القاسية، بقيادة الأب الشغوف بالصيد Sebastiano، وابنه العسكري الصارم Michelangelo (الذي يجسده Lorenzo Richelmy)؛ واللذين ينبذان Giuliano ووالده وينعتانهما بـ “الغجر” و”المشردين”. ولكن هل كان ضرورياً أن يصل التناقض إلى هذا الحد الفج بين رقة الطبيعة والذكورية السامة التي يمثلها Michelangelo والتي لا تقبل الضعف أو الرقة؟ إن هذا التضارب الأخلاقي الحاد يدفع فيلم Alberi erranti للاقتراب أحياناً من حافة الميلودراما المفرطة أو قالب الـ “تيلينوفيلا”. وسط هذا الاحتقان، يظهر Emilio، الشقيق الأصغر لـ Michelangelo، كشاب حالم وحساس تجمعه صداقة بـ Giuliano، وهي صداقة تراها عائلته غير لائقة ومهينة لشرفهم.

الهروب إلى جغرافيا الروح: أين تقع يوتوبيا الأطفال؟
على عكس أعماله السابقة التي كانت تبرز فيها تفاصيل وطنه الأم بوضوح، يختار Salvatore Mereu طمس المعالم الزمانية والمكانية هنا، متعمداً جعل المكان “منظراً طبيعياً للروح” لكي يتمكن كل مشاهد من إيجاد نفسه في هذه الجغرافيا المجردة. عندما تُقتل الحيوانات بوحشية ويختفي الأب Piero وسط عاصفة ثلجية، يضطر Giuliano للبحث عنه، لتنحرف الأحداث تدريجياً نحو أبعاد خيالية وحالمة. يخلق فيلم Alberi erranti عالماً خرافياً وساحراً يُعرف باسم “I bambini” (الأطفال)، وهو ملجأ رمزي للمنبوذين، والمضطهدين، والمختلفين الذين لم يجدوا مكانهم في العالم القاسي. ولكن كيف يستطيع المشاهد التأقلم مع هذه القفزة الفانتازية المربكة؟ المخرج نفسه يدافع عن هذا الانتقال، مشيراً إلى استلهامه لروح المخرج Éric Rohmer في فيلمه The Romance of Astrea and Celadon لتبرير هذا التحول السردي نحو الحب العذري وقواعد الخرافة.

أطفال يقفون تحت المطر وسط الغابة المظلمة

قصة الحب المستحيلة: هل تنجو Maddalena من القفص الذهبي؟
تكتمل أضلاع المأساة مع ظهور عائلة Branca المستنيرة، وتحديداً الفتاة Maddalena (التي تلعب دورها Giulia Maenza)، ابنة كاتب العدل المتفتح. تقع Maddalena في أسر زواج مدبر من المتعجرف Michelangelo، ولكن الحب من النظرة الأولى يجمعها بـ Giuliano أثناء رحلة بحثه عن والده. تتصاعد شكوك Maddalena تجاه برودة خطيبها وصرامته، وتصل ذروة التمرد عندما تقرأ لها امرأة عجوز طالعها وتخبرها بأنها ستنجب أطفالاً، ولكن ليس من خطيبها الحالي. يستخدم فيلم Alberi erranti هذا العشق ليس فقط كمحرك رومانسي للأحداث، بل كفعل مقاومة وتمرد ضد مجتمع يفضل تحويل أبنائه إلى جنود مطيعين يتبعون القواعد الصارمة بلا أسئلة.

مجموعة من الأطفال يلتفون حول فتاة مستلقية داخل قارب في مشهد من فيلم Alberi erranti

الجماليات البصرية وسؤال الزمن الممتد
يمتد الشريط السينمائي لثلاث ساعات كاملة، وهو خيار فني بالغ الخطورة يدافع عنه المخرج بقوة، معتبراً أن القصص الإنسانية الكبرى والكونية تحتاج لمساحتها الزمنية الخاصة للتنفس، تماماً كما تفعل أفلام كبار المخرجين مثل Nolan. يعزز فيلم Alberi erranti هذا الزمن الممتد بجماليات بصرية دقيقة وتعامل مرهق مع الحيوانات؛ فمشهد البداية الذي يُظهر عملية جراحية لخنزيرة صغيرة يؤسس فوراً لهذه الحالة الغرائبية وغير المألوفة، مع العلم أن العديد من الحيوانات في الفيلم (مثل الحصان، الغزال، والخنزيرة الصغيرة) تم تنفيذها بخدع بصرية ولم تكن حقيقية. هل يبرر هذا الطموح البصري المذهل كل هذه المدة، أم كان من الأفضل تكثيف السرد لتجنب الترهل؟ الأكيد أننا أمام تجربة سينمائية تختبر قدرتنا على التعاطف، وتذكرنا بأننا في النهاية، وكما يوحي العنوان، مجرد “أشجار تائهة” أو أوراق في مهب الريح، تُمنح فرصة اختيار العاصفة التي ستحملها إلى قدرها المحتوم.