بلاك كات 24 : القاهرة _ في قلب القاهرة، يواصل “أسبوع أفلام البستان”، الذي تُقام فعالياته في الفترة من 23 إلى 27 سبتمبر، رحلته السينمائية في مقره بمعهد جوته. ويأتي هذا التعاون المميز مع ارسنال برلين Arsenal Berlin في إطار مشروعهم Arsenal on Location وكذلك مع سيماتيك القاهرة Cimatheque Cairo، ليتحول المهرجان على مدار الأيام الماضية إلى ملتقى حقيقي لعشاق الفن السابع. فبعد ليلة افتتاحية أعادت للذاكرة التحفة السورية “أحلام المدينة”، ويوم ثانٍ تعمّق في حوارات الإنتاج المشترك واستعاد ذاكرة السينما السودانية المناضلة، جاء اليوم الثالث، الخميس، ليأخذ الجمهور في رحلة جديدة لتشريح الروح الحضرية المعاصرة.

انطلقت الأمسية برحلة إلى الشوارع الرمادية الباردة للعاصمة الألمانية مع فيلم “Eine flexible Frau” (امرأة ذات مرونة)، وهو عمل جريء للمخرجة تاتيانا تورانسكي. الفيلم ليس مجرد دراما اجتماعية، بل هو نقد لاذع مرسوم ببراعة كوميدية سوداء. نتابع “جريتا”، مهندسة معمارية لامعة سابقًا وأم عزباء الآن، وهي تتجول في عالم يطالبها بمرونة خانقة لا تمتلكها، ليطرح الفيلم سؤالاً مؤلمًا: هل هي التي فشلت في التكيف، أم أن المجتمع هو الذي لم يعد صالحًا للعيش؟ خلال فعاليات أسبوع أفلام البستان، نجد أن هذه التساؤلات تتردد في ذهن الجمهور.

وما إن انتهت رحلة “جريتا” القاسية على الشاشة، حتى بدأ حوار لا يقل عمقًا في قاعة العرض. أدار الخبيران بالسينما الألمانية ستيفاني شولت شتراهاوس وفريدر شلايش النقاش ليس كجلسة أسئلة وأجوبة تقليدية، بل كورشة تفكيك جماعية لشيفرات الفيلم. وسرعان ما تحول الجمهور من مجرد متلقٍ إلى شريك أساسي في الحوار؛ حيث انطلقت الأسئلة والمداخلات التي لم تكتفِ بالاستفسار عن صناعة الفيلم، بل قارنت بين واقع برلين الذي صوره العمل وتجارب مشابهة عن ضغوط العمل والحياة في القاهرة، مما خلق جسرًا فكريًا حيًا بين الثقافتين. كانت لحظة سينمائية بامتياز، حيث امتدت حياة الفيلم إلى خارج الشاشة، وتكامل العمل الفني مع التحليل النقدي وتفاعل الجمهور ليخلق معنى أوسع وأكثر ثراءً. في إحدى النقاشات الحيوية ضمن أسبوع أفلام البستان، عُززت هذه الاتصالات الفكرية المشتركة.

ومن غربة برلين الوجودية، نقل المهرجان جمهوره في رحلة خاطفة إلى قلب بيروت الدافئ والفوضوي مع فيلم “طيور أيلول” (Birds of September)، وهو قصيدة بصرية للمخرجة سارة فرنسيس. هنا، تتغير لغة السينما تمامًا؛ فالكاميرا لا تحاكم بل تتأمل. من داخل “فان” زجاجي يجوب المدينة، يتحول الفيلم إلى كرسي اعتراف متنقل، يلتقط قصصًا عابرة وأرواحًا متعبة لركاب عابرين. “طيور أيلول” هو فيلم عن روح بيروت التي لا تُقهر، شهادة إنسانية وشاعرية على مدينة تتنفس من خلال قصص أهلها. المهرجان، من خلال الأفلام التي يعرضها، يثبت قوة السرد السينمائي ضمن إطار أسبوع أفلام البستان.

وهكذا، بين فيلم يشبه مشرط الجراح الذي يشرح أمراض المجتمع الحديث، وفيلم يشبه يد الشاعر التي تتحسس نبض مدينة جريحة، قدم اليوم الثالث من “أسبوع أفلام البستان” تجربة فكرية وبصرية متكاملة. إنها شهادة متجددة على قدرة السينما على رسم خرائط الروح لمدننا، ولا تزال الرحلة مستمرة في معهد جوته، حيث تتواصل فعاليات المهرجان على مدار اليومين القادمين ببرنامج لا يقل ثراءً، يعد بالكشف عن المزيد من الكنوز السينمائية والنقاشات الفكرية العميقة حول تراثنا السينمائي ومستقبل صناعة الأفلام.


