Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » جائزة نوبل لماريا كورينا: تكريم للمرأة أم غطاء للنفاق الأمريكي ؟

جائزة نوبل لماريا كورينا: تكريم للمرأة أم غطاء للنفاق الأمريكي ؟

ماريا كورينا ماتشادو، التي أثار فوزها بجائزة نوبل للسلام جدلاً واسعاً حول ازدواجية المعايير الدولية وصمتها تجاه أزمات إنسانية كبرى.

بلاك كات 24 : أحمد قرمد _ القاهرة : إن التدقيق في مسيرة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، يكشف عن هوة سحيقة بين الصورة التي تُقدَّم بها للعالم كرمز للنضال السلمي، وبين واقع تاريخها الحافل بالمواقف الراديكالية والتحالفات المثيرة للجدل. لكن الفضيحة الأكبر ليست في ماضيها، بل في صمتها الحالي المطبق. هذا الصمت يحول الجائزة من تكريم مزعوم للسلام إلى شهادة على الانتقائية الأخلاقية وازدواجية المعايير التي تحكم النظام العالمي. من هنا، تأتي ضرورة إعادة النظر في مدى استحقاقها لجائزة نوبل لماريا كورينا.

صورة مقربة تضع في الصورة ماريا يدها على صدرها أثناء إلقاء كلمة، مرتدية قميصًا بألوان علم فنزويلا على كتفها.

لقد بنت ماتشادو جزءًا من شرعيتها الدولية على المطالبة بتطبيق مبدأ “مسؤولية الحماية” لحماية شعب فنزويلا. لقد استنجدت بالعالم وطالبت بتدخل مجلس الأمن. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وبشكل دامغ هو: أين هذا المبدأ وأين صوتها الآن بينما يتعرض الأطفال والنساء في غزة لواحدة من أفظع حملات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث؟ كيف يمكن لـ “صانعة سلام” أن تطالب بحماية شعبها ثم تصمت تمامًا أمام مشاهد الأشلاء والمجازر الممنهجة بحق شعب آخر؟ جائزة نوبل لماريا كورينا تصبح أكثر جدلاً عندما نفكر في هذا الصمت. هذا الصمت ليس مجرد سهو، بل هو موقف يكشف أن إنسانيتها ومبادئها ليست كونية، بل هي إنسانية مشروطة ومسيسة، تُستخدم فقط عندما تخدم أجندتها السياسية وتتوافق مع مصالح داعميها في واشنطن.

الرسالة الرسمية التي طلبت فيها ماريا كورينا ماتشادو تدخلًا دوليًا، وربطت الوضع في فنزويلا بـ"تهديد وجودي" لإسرائيل، وهي الوثيقة المحورية في نقد مسيرتها السياسية.

تصبح دعوة ماتشادو لمجلس الأمن للتدخل في فنزويلا أكثر إثارة للسخرية عند وضعها في سياق القضية الفلسطينية. إنها تستنجد بهيئة دولية تعلم جيدًا أنها مشلولة بإرادة الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأكبر لماتشادو وراعي مسيرتها السياسية. أمريكا التي تستخدم حق النقض (الفيتو) بشكل متكرر لحماية إسرائيل من أي مساءلة، ولإجهاض كل محاولة لوقف إطلاق النار، هي نفسها القوة التي كانت ماتشادو تأمل أن تستخدم المجلس كغطاء شرعي للتدخل في بلدها. فلماذا لم تنادِ ماتشادو برفع هذا الفيتو الظالم أثناء الإبادة في غزة؟ لماذا لم تنتقد أمريكا على شل العدالة الدولية؟ الإجابة واضحة: لأنها لا تستطيع أن تنتقد سيدها وهنا تصبح جائزة نوبل لماريا كورينا أكثر لغطًا.

تقف الفائزة بجائزة نوبل للسلام عام 2025 وسط حشد كبير من أنصارها في فنزويلا، وتضع يدها على صدرها وتنظر إلى الأعلى بتأثر.

إن صورة “المناضلة السلمية” تتهاوى عند النظر إلى تاريخها الفعلي. فقد كانت من الموقعين على “مرسوم كارمونا” الذي حلّ كل مؤسسات الدولة الدستورية خلال محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2002. كما أسست منظمة “Súmate” التي تلقت تمويلًا مباشرًا من “الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED)، وهي منظمة أمريكية تُعتبر واجهة للسياسة الخارجية الأمريكية. أما مطالبتها بتدخل مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في فنزويلا فهي وصمة عار لا تُمحى. وهنا نسأل: لماذا لا تطالب اليوم بتسليم هذا المجرم إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ جائزة نوبل لماريا كورينا لا تلقى قبولًا من قبل كل الأطراف نظرًا لصمتها عن جرائمه اليوم هو تواطؤ مباشر وتخلٍ عن أي ادعاء بالوقوف مع العدالة.

الرسم التوضيحي الرسمي لجائزة نوبل للسلام 2025، مع اقتباس من اللجنة النرويجية المانحة للجائزة.

عندما نتساءل عن الفرق بين فوزها بالجائزة وفوز محتمل لدونالد ترامب بها، نجد أن الفروق سطحية. كلاهما يمثلان تيارًا يمينيًا شعبويًا يؤمن بفرض الأجندات السياسية بالقوة أو بالتحالف مع قوى خارجية. فوز أي منهما بجائزة نوبل للسلام هو إعلان عن موت المعنى الحقيقي للجائزة، ويعني أن السلام لم يعد يُعرَّف بالعدالة وحقوق الإنسان العالمية، بل أصبح يُعرَّف بتحقيق المصالح الجيوسياسية الأميركية.

صورة بالأبيض والأسود لماتشادو وهي تتحدث بجدية وتستخدم يدها للتأكيد على نقطة ما خلال حوار أو مقابلة.

بالتأكيد، نحن ندعم ونشيد بروح المرأة التي لم تنكسر في كل مكان وزمان، فهي رمز للصمود والعطاء الإنساني. ولكن عند التدقيق في مسيرة ماريا كورينا السياسية على وجه الخصوص، تتكشف لنا حقيقة أن شخصها وأفعالها لا يجعلانها جديرة بهذا الوصف أو بهذا التكريم. وهنا، يصبح الاحتفاء بها تحت شعار “روح امرأة لم تنكسر” أمراً مريباً ومضللاً؛ فلم يعد تكريماً للمرأة كقيمة إنسانية، بل يتحول إلى محاولة لاستخدام هويتها كـ”امرأة” لتغطية سجلها كسياسية متواطئة، وهنا يأتي جدل جائزة نوبل لماريا كورينا مرة أخرى. إنها الخيانة النهائية لضمير الإنسانية: أن تُستخدم صورة المرأة كدرع أخير لحماية النفاق الأمريكي من المساءلة الأخلاقية.