انهيار الأسطورة العسكرية الأمريكية داخل فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? وتفكيك عقدة الذنب
بلاك كات 24 : أحمد قرمد
يقدم مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين، والذي تقام فعالياته في الفترة من الأربعاء، 2 سبتمبر 2026 وحتى السبت، 12 سبتمبر 2026، تحفة بصرية ونفسية تتجاوز حدود السرد التقليدي المألوف، متمثلة في دراما الحرب (War Drama) التي تحمل عنوان فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? (السيد نيلسون، هل قتلت أناساً؟). يمثل هذا العمل السينمائي، الذي تم إنتاجه بتعاون ضخم بين اليابان والولايات المتحدة وتايلاند وفيتنام، صرخة مدوية في وجه الزيف الذي يغلف الحروب الحديثة. تبدأ المأساة الحقيقية من شوارع مدينة نيويورك المنسية والفقيرة، حيث يولد Allen Nelson، ذلك الشاب الذي طحنته رحى التمييز العنصري القاسي والفقر المدقع في مجتمع يدعي المساواة. في محاولة يائسة للهروب من هذا الواقع المرير الخانق، ينضم إلى قوات مشاة البحرية الأمريكية في سن الثامنة عشرة، مدفوعاً بأوهام زائفة زرعتها الآلة الإعلامية والسينما التجارية في عقله عن أبطال الحرب والمجد العسكري الذي لا يطال.
لكن ما ينتظره في أدغال فيتنام الموحشة ليس سوى كابوس يفوق الوصف البشري، حيث تتلاشى كل مبادئ الشرف والبطولة لتحل محلها غرائز البقاء الدموية والوحشية. إن فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? لا يكتفي بعرض المعارك السطحية، بل يغوص في العمق النفسي المعقد لشخصياته، ليطرح أسئلة شائكة وعميقة حول مفهوم البطولة الزائفة، وكيف يتم استغلال الطبقات المسحوقة والمهمشة لتنفيذ أجندات سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، محولاً إياهم إلى وقود لحروب لا تنتهي.

الآلة العسكرية الأمريكية وسحق الإنسانية
تتجلى بشاعة الإمبراطورية الأمريكية بوضوح في قدرتها المنهجية على تجريد الإنسان من روحه وإنسانيته، وتحويله ببطء من ضحية للظلم والفقر إلى جلاد ومرتكب لجرائم مروعة تحت غطاء الواجب الوطني الكاذب. يوجه فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? صفعة قوية ومستحقة للسياسات الاستعمارية التي تنتهجها واشنطن، فاضحاً بشكل لا يقبل الشك كيف تقوم هذه الآلة العسكرية بغسل أدمغة الشباب وتدمير براءتهم، ودفعهم لارتكاب الفظائع والمذابح في حق الأبرياء العزل. في القرى الفيتنامية البسيطة، يتم التعامل مع الجميع، من شيوخ طاعنين في السن ونساء وأطفال رضع، كأهداف مشروعة للقتل بحجة تسلل قوات Viet Cong. هذا التبرير الواهي هو ما تستند إليه الولايات المتحدة دائماً لتبرير حروبها المدمرة التي تلتهم الأخضر واليابس. عبر تطور الأحداث، نرى كيف يتلبد إحساس البطل تدريجياً، وكيف يُجبر على الانخراط في واقع مروع يُلزم فيه على سلب الأرواح البريئة. إن هذا العمل السينمائي يمثل إدانة تاريخية وفنية صارخة لأمريكا، التي لا تكتفي بتدمير الدول الأخرى، بل تدمر مواطنيها من الداخل، وتتركهم بعد انتهاء مهامهم القذرة فريسة سهلة للضياع والتشرد والجنون في شوارعها الخلفية المظلمة.

عبقرية الإخراج ولغة الصورة البصرية
في خطوة سينمائية جريئة في مسيرته، يقدم المخرج الياباني العبقري Shinya Tsukamoto أول أفلامه الدرامية الناطقة باللغة الإنجليزية بشكل أساسي، معتمداً على لغة بصرية عنيفة ومربكة تعكس بدقة الفوضى الداخلية التي تعصف بوجدان بطل فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? (السيد نيلسون، هل قتلت أناساً؟). يتخلى المخرج عن الجماليات البصرية التقليدية والمريحة للعين لصالح صورة قاسية ومرتعدة توظف المؤثرات الوامضة (Strobing effects) والظلال الداكنة لنقل المشاهد مباشرة وبقوة إلى داخل عقل الجندي المضطرب. الكاميرا هنا ليست مجرد أداة محايدة لتوثيق الحدث، بل هي شريك أساسي في الجريمة، تتحرك بعصبية مفرطة، وترصد الوجوه المذعورة والملامح المتشنجة، وتلتقط أدق تفاصيل الرعب الخفي. ينجح العمل بامتياز في خلق جو خانق وكابوسي يوازي تماماً تجربة اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تتداخل ذكريات ساحة المعركة الدامية مع الواقع اليومي البائس للعائدين من الجحيم. هذه الرؤية الإخراجية المتفردة تجعل من الفيلم تجربة حسية قاسية للغاية، تجبر المتفرج قسراً على معايشة الخوف والذنب جنباً إلى جنب مع الشخصية الرئيسية، مما يثبت بشكل قاطع أن الحرب الحقيقية لا تنتهي بوقف إطلاق النار.

تجسيد الألم عبر أداء تمثيلي استثنائي
يعتمد نجاح وتأثير فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? بشكل محوري على الأداء الاستثنائي والمرهق لطاقم التمثيل، وعلى مونتاج لا يعامل الزمن كخط مستقيم بل كذاكرة مجروحة تقفز وتختنق ثم تهدأ فجأة. يقدم Rodney Hicks أداءً يلامس حد الكمال في دور Allen Nelson؛ لا يشرح التحول، بل يتركه يتسرب في الجسد: الكتف المنكمش، النظرة التي تسبق الكلام، والصوت الذي ينكسر حين يُطلب منه أن يسمي ما فعله. في مشاهد العيادة، يجلس مقابل Geoffrey Rush في دور Dr. Daniels، الذي لا يؤدي دور الحكيم المريح بقدر ما يؤدي دور الإلحاح الأخلاقي. السؤال يتكرر ببرود طبي شبه قاسٍ: لماذا قتلت؟ وهيكس لا يجيب بجملة بطولية، بل بجسد يرفض أن يستقر، كأن الإجابة كلها موجودة في العرق والأرق لا في الحوار.
يظهر الثمن الأوضح لهذا الأداء في المشهد الذي يمنح العمل عنوانه. قاعة مدرسية، طفلة تسأل السؤال الساذج القاطع، ثم صمت يطول أكثر مما يحتمل المشهد التقليدي. الكاميرا لا تقطع إلى رد جاهز، بل تبقى مع وجه نيلسون أولًا، قبل أن تتحرك ببطء بين وجوه التلاميذ واحدًا واحدًا. المونتاج هنا يتخلّى عن عصبيته المعهودة؛ اللقطة تطول، والتتبع هادئ، وردود الفعل الفردية هي الحوار الحقيقي. بعدها يأتي الحضن الجماعي، لحظة تبدو أقرب إلى الخلاص، لكن الفيلم لا يتركها نقية: الذاكرة تعود فتقطع السكينة بلقطات أقصر وأحدّ من القرى، حيث الصمت أشد من الكلام، والأطفال هناك لا يسألون بل يلتصقون بما تبقّى. المونتاج لا يشرح المقارنة؛ يفرضها بالقطع.
على الضفة الأخرى من العمر، ينقل Mark Merphy هشاشة الشاب الذي لم يُمهَل كي يفهم ما يُطلب منه. الانتقال بينه وبين هيكس لا يتم بذوبان تجميلي ناعم، بل بقطع جاف يُسقطنا في مرحلة جديدة من دون تمهيد كافٍ؛ وهذا جزء من طبع العمل لا مجرد عيب مخفي. بعض الفقرات تبدو متعجلة في تقديم الشخصيات، وبعض الحوار يشرح للجمهور ما كان يجب أن يُرى، غير أن أقوى ما في فيلم MR NELSON DID يبقى بلا كلام: الغارات على القرى، والكوابيس الليلية، وتلك الوقفات الممتدة في حياة نيلسون كمحاضر مناهض للحرب.
تكتمل اللوحة بـ Tatyana Ali في دور الزوجة Linda، التي تجسد انهيار البيت لا بالصراخ المستمر بل بالتعب المتراكم: امرأة تحاول الإمساك برجل لم يعد ساكنًا في الحاضر. أما Lily Franky فيضيف طبقة أخرى أكثر ابتعادًا عن التشخيص الطبي وأقرب إلى السؤال الفلسفي الذي يلاحق نيلسون بعد أن تنتهي المعركة: ليس فقط ماذا فعلت، بل من صرت بعدها. المونتاج، الذي كتبه وأشرف عليه تسوكاموتو بنفسه مع التصوير، يبقى يدويًا وذاتيًا إلى حد كبير؛ الكاميرا لا تراقب نيلسون من الخارج بقدر ما تسكن اضطرابه. لذلك ينجح التمثيل حين يوافق هذه اللغة، ويتعثر العمل حين يحاول المونتاج أن يخدم فيلمين في وقت واحد: دراما تعافٍ فردي، وشهادة على فظاعة لا يمحوها الأرق.

صدى المأساة في مرآة السينما العالمية
يتجلى التباين المذهل والشاسع بين فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? والتحف السينمائية الخالدة التي تناولت ويلات الحروب، ليعيد صياغة مفهوم المأساة من زوايا شديدة التعقيد. فبينما ركز فيلم Apocalypse Now الأمريكي الصادر عام 1979 للمخرج الأيقوني Francis Ford Coppola على العبثية المطلقة للقتال والفوضى العارمة والجنون المؤسسي للحرب من منظور ملحمي خارجي يعتمد على المؤثرات البصرية الضخمة، نجد مقاربة أخرى في السينما الأوروبية تجسدت في الدراما التاريخية اللاتفية Blizzard of Souls (عاصفة من الأرواح) الصادرة عام 2019 للمخرج Dzintars Dreibergs. هذا الأخير استعرض “محاكمة البراءة” عبر عيني المراهق “ارتورس فاناجس”، الذي دُفع لحمل السلاح دفاعاً عن أرضه بعد مقتل والدته، ليرى كيف تُسحق أحلامه تحت وطأة الخيانة ويفقد عائلته في حرب بلا مجد وبلا عدالة.
لكن ما يجعل فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? (السيد نيلسون، هل قتلت أناساً؟) متفرداً وأكثر إيلاماً ووجعاً للمشاهد، هو أنه يتجاوز فكرة الدفاع عن الأوطان أو استعراض ويلات الخيانة على الجبهة، ليوجه عدسته بتركيز شديد وخانق إلى الداخل، نحو الدمار الأخلاقي والعقدة المستدامة التي تنشأ وتتجذر عندما يصبح الإنسان، وبقوة السلطة الغاشمة، هو الجلاد والمعتدي. هنا لا نشاهد ضحية تذود عن وطنها كما في “عاصفة من الأرواح”، بل نراقب الرعب الناجم عن إجبار شاب فقير ومهمش على تجاوز الخطوط الحمراء لإنسانيته، ليتحول إلى أداة لقتل الأبرياء العزل في أراضٍ غريبة استجابة لأجندات استعمارية.
لا يسعى فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? لتقديم مشاهد معارك مبهرة لاستعراض العضلات الإخراجية، بل يركز كل طاقته على المعركة الأطول والأكثر دموية التي تدور بصمت تام في عقل الجندي بعد عودته إلى دياره. هذا التوجه الدرامي العميق يدمج بين فقدان البراءة ووطأة الذنب، ليجعل من العمل تجربة أكثر حميمية وقسوة في آن واحد، حيث يتحول الرعب السينمائي من أدغال الغابات الفيتنامية المشتعلة، وساحات المعارك الثلجية، إلى غرف النوم المظلمة وشوارع التشرد الباردة، مما يعزز من مكانته كإضافة ثرية ونوعية لا غنى عنها في تاريخ أفلام دراما الحرب.

جراح لا تندمل وتساؤلات بلا إجابة
في النهاية الحتمية لهذا العمل، يتركنا فيلم MR. NELSON, DID YOU KILL PEOPLE? وحيدين أمام حيرة مربكة ودوامة لا تنتهي من التساؤلات الأخلاقية والفلسفية التي ترفض الانقشاع أو التلاشي. كيف يمكن للروح البشرية المرهفة أن تتعافى أو تجد السلام بعد أن تتلطخ أيديها بدماء الأبرياء وتسمع أنين أرواحهم؟ وما هو المصير المحتوم لأولئك الذين فقدوا بوصلتهم الأخلاقية وتم تجريدهم من آدميتهم في خضم العنف الممنهج الذي ترعاه الدول؟ يرفض الفيلم بشكل قاطع وقصدٍ فني نبيل تقديم إجابات مريحة أو نهايات سعيدة مصطنعة تريح ضمير المتفرج، بل يترك جراح أبطاله نازفة ومفتوحة لتعكس واقعاً مريراً وموحشاً يتجاهله الكثيرون في عالمنا المعاصر المتواطئ. إن السؤال البريء والقاسي الذي يطرحه الطفل في الفيلم، والذي يتخذ منه هذا العمل عنواناً له، يتحول بمرور الوقت إلى محاكمة جماعية وتاريخية ليس فقط للبطل المأزوم، بل لكل الأنظمة العالمية والسياسية التي تتاجر بأرواح البشر وتعتبرهم مجرد أرقام في إحصائيات المعارك الخاسرة. يبقى هذا الإنجاز السينمائي وثيقة بصرية صادمة، ومرجعاً نفسياً، وإدانة لا تقبل المواربة لمنظومة الحرب الأمريكية القذرة، ورسالة تحذير قوية بأن تحول الإنسان إلى قاتل هو رعب يفوق رعب الموت ذاته.
