Mr. Ahmed Kormod
@akormod
الرئيسية » فيلم Cover-Up: وثيقة بصرية تلاحق الأشباح من كارثة هيروشيما إلى وجع غزة

فيلم Cover-Up: وثيقة بصرية تلاحق الأشباح من كارثة هيروشيما إلى وجع غزة

لقطة أرشيفية بالأبيض والأسود من فيلم Cover-Up تظهر الصحفي الشاب سيمور هيرش جالساً في مكتبه، يرتدي نظارته الطبية ويتحدث عبر الهاتف بتركيز شديد وسط أكوام من الأوراق، مما يعكس أجواء العمل الصحفي الاستقصائي في تلك الحقبة.

جماليات التوثيق وسرد الحقيقة في فيلم Cover-Up

بلاك كات 24 : القاهرة _ يطل علينا فيلم Cover-Up والمتاح الآن للعرض العالمي عبر منصة نيتفليكس،كواحد من أبرز الأعمال السينمائية المنافسة بقوة في موسم الجوائز والمرشح للأوسكار، حاملاً معه أصداء عرضه الأول في أمريكا الشمالية ضمن مهرجان تورنتو السينمائي الدولي (TIFF) وعروضه المميزة في مهرجاني البندقية ونيويورك. هذا العمل الوثائقي المزلزل، الذي صاغه الثنائي المبدع لورا بويتراس (الحائزة على الأوسكار عن “Citizenfour”) ومارك أوبنهاوس، لا يكتفي بكونه سيرة ذاتية تقليدية للصحفي الأسطوري سيمور هيرش، بل يقدم درسًا مكثفاً في اللغة السينمائية التي تحول الأوراق الصامتة إلى أدوات إدانة صارخة، معتمداً على بنية بصرية ذكية تمزج بين الأرشيف المرمم بعناية واللقطات الحميمية لهيرش وهو يقلب في دفاتر ملاحظاته الصفراء الشهيرة التي تتحول أمام الكاميرا إلى “شخصية” موازية تروي تاريخاً طويلاً من الدماء والتستر.

ملصق فيلم "Cover-Up" باللونين الأبيض والأسود، يظهر فيه الصحفي الشاب سيمور هيرش وهو يتحدث عبر الهاتف. النص الأحمر الكبير في الأعلى يحمل عنوان الفيلم، وتحته أسماء المخرجين لورا بويتراس ومارك أوبنهاوس، بالإضافة إلى شعارات مهرجانات فينيسيا ونيويورك وتورنتو وتيلورايد، وعبارة "NETFLIX | NOW PLAYING" في الأسفل.

يأخذنا فيلم Cover-Up في رحلة بصرية معقدة عبر الزمن، مستخدماً تقنيات مونتاج متقنة تربط بين الفظائع الأمريكية وكأنها خيط واحد ممتد من الجريمة الممنهجة؛ فمن خلال عدسة بويتراس وأوبنهاوس، نغوص في التفاصيل المروعة لمذبحة “ماي لاي” في فيتنام التي كشف هيرش النقاب عن وحشيتها، مروراً بفضائح “ووترغيت” ودهاليز التجسس الداخلي للـ CIA، وصولاً إلى المشاهد التي تهز الضمير الإنساني في سجن “أبو غريب”.

صورة تعكس سحابة الانفجار النووي فوق هيروشيما Hiroshima مع كلمة "HIROSHIMA" مكتوبة بخط أبيض على خلفية حمراء، ترمز إلى المأساة الناتجة عن قنبلة أمريكا America في 6 أغسطس 1945.
سحابة الانفجار النووي فوق هيروشيما Hiroshima، شاهدة على بشاعة أمريكا America بعد 80 عامًا، حيث حاولت الأفلام والمسلسلات رواية المأساة لكنها لم تكفِ.

وفي معالجة سينمائية تتسم بالعمق والجرأة، يلمح السياق البصري والتحليلي للعمل إلى أن هذه السلسلة من العنف ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لثقافة “الإفادة من القوة المفرطة” التي أسست لها الولايات المتحدة منذ جريمة إبادة هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية، لتستمر هذه العقيدة العسكرية الأمريكية في حصد الأرواح عبر العقود.

مجموعة صور مجمعة تتعلق بفيلم "Cover-Up" ومسيرة سيمور هيرش، تضم لقطات لهيرش في مراحل عمرية مختلفة وهو يراجع وثائق، وصورة لعنوان صحيفة "شيكاغو صن تايمز" عن مذبحة ماي لاي، وجندي أمريكي في فيتنام، وقصاصة جريدة تحتوي على اقتباس عن قتل الأطفال.

ينجح فيلم Cover-Up ببراعة في رسم خط بياني يربط بين تلك اللحظات التاريخية وبين الحاضر المؤلم، حيث تأتي الذروة الدرامية والموضوعية في المشاهد الختامية التي يربط فيها هيرش، بلمسة إنسانية وصحفية ثاقبة، بين ماضيه الاستقصائي وبين صور الدمار الحالية في غزة، مجسداً سينمائياً مفهوم “غياب المحاسبة” وتكرار المأساة. إن هذا الطرح لا يجعل من فيلم Cover-Up مجرد وثائقي يسرد أخباراً، بل يحوله إلى تجربة شعورية وفلسفية متكاملة تضع المُشاهد أمام مرآة الحقيقة العارية، مؤكداً بلغة الفن أن الصورة لا تكذب، وأن الأرشيف -مهما حاولوا طمسه أو تجميله- سيظل حياً ليطارد الجناة، ليتركنا العمل في النهاية أمام تساؤل أخلاقي وبصري لا مفر منه حول ثمن الحقيقة ودور الصحافة الاستقصائية كخط دفاع أخير في عالم تحكمه الظلال والمصالح الأمريكية .