فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جينبينج يعتمدان خلال القمة المصرية الصينية بالقاهرة رؤية مشتركة للتنمية المستدامة واستقرار الشرق الأوسط
بلاك كات 24 : القاهرة _تمثل القمة المصرية الصينية بالقاهرة محطة جيوسياسية فاصلة تعيد رسم ملامح التعاون بين دول الجنوب العالمي، وتؤسس لهندسة سياسية واقتصادية تتجاوز الأطر الثنائية التقليدية. تأتي هذه المباحثات لتتوج سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية الراسخة، وتدفع بالشراكة الاستراتيجية نحو آفاق أرحب تتناسب مع التغيرات المتلاحقة في النظام الدولي. وبفضل الإرادة السياسية المشتركة، تبرز القاهرة كركيزة أساسية في مبادرة الحزام والطريق، بينما تعزز بكين مساندتها للدور المحوري المصري في إرساء دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي، مما يخلق توازناً استراتيجياً يدعم تعددية الأقطاب ويحقق المنافع المتبادلة في مواجهة التحديات العالمية المعقدة.

أبعاد اقتصادية وتوافق جيوسياسي
شهدت أروقة قصر الاتحادية مراسم استقبال رسمية حافلة للرئيس الصيني شي جينبينج وقرينته السيدة بنج لي يوان، حيث كان فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة قرينته انتصار السيسي في مقدمة المستقبلين. وتضمنت المراسم اصطفاف الخيول، وإطلاق المدفعية إحدى وعشرين طلقة، وأداء حرس الشرف للتحية العسكرية، وعزف السلامين الوطنيين، في مشهد يعكس عمق التقدير المتبادل. وعقب ذلك، انطلقت جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، شهدت التوقيع على حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستراتيجية.
وفي مستهل المباحثات، رحب فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الصيني، مشيداً بالصداقة التاريخية التي انطلقت عام 1956، حينما كانت مصر الدولة العربية والأفريقية الأولى التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية. وأعلن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خطوة اقتصادية عملاقة تتمثل في تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي تستهدف قطاعات حيوية كالطاقة المتجددة، صناعة السيارات، والنسيج والألياف الكيماوية.
اقتصادياً، رسمت المباحثات ملامح تكامل عميق عبر مواءمة “رؤية مصر 2030” مع مبادرة “الحزام والطريق”، لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي الرابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وشملت التفاهمات توطين صناعات متقدمة كبناء السفن، السيارات الكهربائية، الألواح الشمسية، أبراج الرياح، محطات تحلية المياه، مراكز البيانات، الحوسبة السحابية، أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي. كما برز التعاون المالي بقوة عبر تجديد اتفاقية تبادل العملات وزيادة قيمتها، وتشجيع المؤسسات المالية في البلدين على تمويل المشروعات التنموية وإصدار سندات “الباندا”، وتوسيع التعاملات بالعملات المحلية. وتطرق الجانبان للتشاور المستمر بشأن اتفاقية “الحصاد المبكر”، مع إشادة مصرية بقرار بكين إعفاء الدول الأفريقية من الرسوم الجمركية، مما يدعم التوازن في الميزان التجاري المتبادل.
ولم تغفل المباحثات الثوابت الوطنية والأمن القومي، حيث أكدت الصين إدراكها التام للأهمية الحيوية لنهر النيل كشريان حياة رئيسي لمصر، داعية دول الحوض للالتزام التام بالقانون الدولي وعدم إحداث أي ضرر. وبالمقابل، جددت القاهرة التزامها الراسخ بمبدأ “الصين الواحدة” ودعمها المطلق لسيادة بكين ووحدة أراضيها. كما أثنى الرئيسان على تنفيذ البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للأعوام (2024-2028). وفي المجال التنموي، ثمن الجانب الصيني مبادرة “حياة كريمة” كنموذج رائد للارتقاء بمستوى معيشة المواطنين، فيما أشادت مصر بالمبادرات العالمية التي أطلقها الرئيس الصيني، مؤكدة أهمية هذه الرؤى في تعزيز السلام والازدهار. وأمنياً، اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود، وتسريع التشاور لتوقيع اتفاقية تسليم المطلوبين، مع الرفض القاطع لازدواجية المعايير.

حراك دبلوماسي وتبادل ثقافي يتوج القمة المصرية الصينية بالقاهرة
تصدرت القضايا الإقليمية والدولية أجندة المباحثات، حيث أظهر الزعيمان توافقاً حازماً ينطلق من الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ورفض الإجراءات الأحادية، مع الاتفاق على تكثيف التنسيق في المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي. وأكدت القاهرة دعمها الكامل للرئاسة الصينية لتجمع البريكس عام 2027. وجاءت القضية الفلسطينية في القلب من هذا التوافق، مع المطالبة بوقف إطلاق النار الفوري في قطاع غزة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ورفض مخططات التهجير، ودعم وكالة الأونروا، وحتمية إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي خطوة تعكس الرؤية الصينية لحفظ السلم، طرح الرئيس شي جينبينج مقترحاً من أربع نقاط لبناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط، يرتكز على مفاهيم الأمن المشترك والشامل والمستدام، ويدعو لتفعيل عوامل الدفع الداخلية وترسيخ أسس التنمية. كما توافقت الرؤى حول أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مؤكدين أن حوكمة هذه الممرات ومسؤولية حمايتها تقعان على عاتق الدول المشاطئة. وفي الشأن السوداني، شدد الجانبان على ضرورة احترام سيادة السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية بعيداً عن أية تدخلات خارجية.
وتجسيداً للروابط الإنسانية التي تمثل جوهر الدبلوماسية الناعمة، عقدت السيدة انتصار السيسي لقاءً ودياً مع السيدة بنج لي يوان تخلله تناول الشاي وتفقد معرض للحرف اليدوية الصغيرة، حيث أكدت قرينة الرئيس الصيني التقارب الثقافي الكبير بين البلدين، متطلعة لتعزيز التعاون الفني والتراثي ليواصل إشعاعه بحيوية متجددة.
واختُتمت هذه الزيارة الاستثنائية ببعد حضاري يليق بعراقة البلدين، حيث اصطحب فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته ضيوف مصر في جولة موسعة داخل أروقة المتحف المصري الكبير. واستمع الزعيمان لشرح تفصيلي باللغتين العربية والصينية شمل منطقة الدرج العظيم وبانوراما الأهرامات، وصولاً لقاعة كنوز الملك توت عنخ آمون حيث تفقدا القناع الذهبي وكرسي العرش. وهناك، أبدى الرئيس الصيني إعجاباً بالغاً بدقة وجمال الفن المصري القديم، واصفاً المتحف بالصرح الثقافي العالمي الذي يجسد إسهامات مصر البارزة في مسيرة الحضارة الإنسانية. وعقب هذه الجولة التاريخية، ودع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته، الرئيس شي جينبينج وقرينته السيدة بنج لي يوان في مطار القاهرة الدولي، لتطوى صفحة مضيئة في سجل العلاقات وتفتح آفاق جديدة لتعاون ممتد.


