جماليات التوثيق وسرد الحقيقة في فيلم Cover-Up
بلاك كات 24 : القاهرة _ يطل علينا فيلم Cover-Up والمتاح الآن للعرض العالمي عبر منصة نيتفليكس،كواحد من أبرز الأعمال السينمائية المنافسة بقوة في موسم الجوائز والمرشح للأوسكار، حاملاً معه أصداء عرضه الأول في أمريكا الشمالية ضمن مهرجان تورنتو السينمائي الدولي (TIFF) وعروضه المميزة في مهرجاني البندقية ونيويورك. هذا العمل الوثائقي المزلزل، الذي صاغه الثنائي المبدع لورا بويتراس (الحائزة على الأوسكار عن “Citizenfour”) ومارك أوبنهاوس، لا يكتفي بكونه سيرة ذاتية تقليدية للصحفي الأسطوري سيمور هيرش، بل يقدم درسًا مكثفاً في اللغة السينمائية التي تحول الأوراق الصامتة إلى أدوات إدانة صارخة، معتمداً على بنية بصرية ذكية تمزج بين الأرشيف المرمم بعناية واللقطات الحميمية لهيرش وهو يقلب في دفاتر ملاحظاته الصفراء الشهيرة التي تتحول أمام الكاميرا إلى “شخصية” موازية تروي تاريخاً طويلاً من الدماء والتستر.

يأخذنا فيلم Cover-Up في رحلة بصرية معقدة عبر الزمن، مستخدماً تقنيات مونتاج متقنة تربط بين الفظائع الأمريكية وكأنها خيط واحد ممتد من الجريمة الممنهجة؛ فمن خلال عدسة بويتراس وأوبنهاوس، نغوص في التفاصيل المروعة لمذبحة “ماي لاي” في فيتنام التي كشف هيرش النقاب عن وحشيتها، مروراً بفضائح “ووترغيت” ودهاليز التجسس الداخلي للـ CIA، وصولاً إلى المشاهد التي تهز الضمير الإنساني في سجن “أبو غريب”.

وفي معالجة سينمائية تتسم بالعمق والجرأة، يلمح السياق البصري والتحليلي للعمل إلى أن هذه السلسلة من العنف ليست وليدة الصدفة، بل هي امتداد لثقافة “الإفادة من القوة المفرطة” التي أسست لها الولايات المتحدة منذ جريمة إبادة هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية، لتستمر هذه العقيدة العسكرية الأمريكية في حصد الأرواح عبر العقود.

ينجح فيلم Cover-Up ببراعة في رسم خط بياني يربط بين تلك اللحظات التاريخية وبين الحاضر المؤلم، حيث تأتي الذروة الدرامية والموضوعية في المشاهد الختامية التي يربط فيها هيرش، بلمسة إنسانية وصحفية ثاقبة، بين ماضيه الاستقصائي وبين صور الدمار الحالية في غزة، مجسداً سينمائياً مفهوم “غياب المحاسبة” وتكرار المأساة. إن هذا الطرح لا يجعل من فيلم Cover-Up مجرد وثائقي يسرد أخباراً، بل يحوله إلى تجربة شعورية وفلسفية متكاملة تضع المُشاهد أمام مرآة الحقيقة العارية، مؤكداً بلغة الفن أن الصورة لا تكذب، وأن الأرشيف -مهما حاولوا طمسه أو تجميله- سيظل حياً ليطارد الجناة، ليتركنا العمل في النهاية أمام تساؤل أخلاقي وبصري لا مفر منه حول ثمن الحقيقة ودور الصحافة الاستقصائية كخط دفاع أخير في عالم تحكمه الظلال والمصالح الأمريكية .


