تاريخ المقاومة يزين معرض السويس الرابع للكتاب عبر أوتار السمسمية
بلاك كات 24 : السويس _يمثل التراث الثقافي غير المادي ركيزة أساسية في تشكيل الهوية الوطنية وحفظ الذاكرة الشعبية من الاندثار، خاصة عندما تتشابك الفنون الإبداعية مع ملاحم الصمود والمقاومة التاريخية. وفي هذا السياق، لا تقتصر الفعاليات الثقافية الكبرى على عرض الإصدارات الأدبية فحسب، بل تمتد لتشكل منصات حيوية للتحليل السوسيولوجي والتاريخي للموروثات المجتمعية. من هنا، يكتسب معرض السويس الرابع للكتاب أهمية استثنائية بطرحه العميق لملف آلة السمسمية، متجاوزاً البعد الموسيقي المجرد ليغوص في جذور العلاقة الوثيقة بين الإنسان والعمل والوطن. إن تسليط الضوء على هذا الإرث الفني يعكس وعياً مؤسسياً جاداً بضرورة توثيق سير “الكنوز البشرية الحية” وتأمين انتقال المعارف التقليدية عبر الأجيال، وهو ما يتطلب تضافر كافة الجهود لرقمنة الأرشيف الفني ودعم المبادرات الأكاديمية المتخصصة لضمان استدامة هذا التراث ضمن السجلات العالمية الخالدة لليونسكو.
انطلاق الفعاليات الثقافية في معرض السويس الرابع للكتاب
تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، واللواء أركان حرب هاني رشاد، محافظ السويس، نظمت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لـ معرض السويس الرابع للكتاب، ندوة ثقافية بعنوان «السويس في ملف السمسمية لليونسكو»، بمشاركة الكاتب والصحفي محمد بغدادي، والدكتور محمد شبانة، والأستاذ عاطف كابوريا، والفنان موسى أحمد موسى، وأدارها الكاتب والباحث أنور فتح الباب.
الجذور التاريخية وارتباط السمسمية بمدينة السويس
وأكد أنور فتح الباب، الباحث في التاريخ والثقافة المصرية، أن آلة السمسمية ارتبطت بتاريخ السويس منذ عصور مبكرة، مشيرًا إلى أن العمال الذين شاركوا في حفر قناة السويس اصطحبوا معهم آلات موسيقية مثل «الكنر» أو «السامبيكا»، التي تطورت لاحقًا إلى آلة السمسمية. وقد نشأت علاقة وثيقة بينها وبين العمل وركوب البحر، قبل أن ينتشر استخدامها بصورة أكبر مع أعمال حفر قناة السويس في عصري سعيد باشا والخديو إسماعيل.
وفي كلمته، تناول الكاتب والصحفي محمد بغدادي شخصية الكابتن غزالي، باعتباره أحد «الكنوز البشرية الحية»، ودوره الوطني البارز في جمع وتدوين التراث الشعبي، خاصة أغاني «الحنة السويسي» وفنون القول المصاحبة لآلة السمسمية.
وأوضح بغدادي أن الحديث عن الكابتن غزالي لا ينفصل أبدًا عن تاريخ السويس، المدينة التي وصفها بأنها «مدينة لا تعرف الخوف، تكره الحزن وتعشق الحياة»، مشيرًا إلى أن طبيعتها التاريخية جعلتها ملتقى لثقافات وجنسيات متعددة، إذ كانت مقصدًا للوافدين والقوافل والحجاج، وهو ما أسهم في تشكيل نسيج اجتماعي وثقافي متنوع انعكس بوضوح على تراثها الشعبي والغنائي.
وأشار إلى أن السويس ظلت عبر تاريخها مدينة مرتبطة بالبحر والعمل والسفر، فكان الغناء حاضرًا في حياة أهلها خلال العمل والصيد وصناعة القوارب، وكذلك في المناسبات الاجتماعية، ومنها حفلات الزواج وليلة الحنة، مؤكدًا أن «الحنة السويسي» تعد من أبرز طقوس الغناء الشعبي في المدينة.
توظيف التراث في المقاومة الوطنية وتجربة أولاد الأرض
واستعرض بغدادي تفاصيل هذه الطقوس، التي تبدأ بتجمع الأهل والأصدقاء وتزيين المكان، ثم انطلاق موكب الحنة بمشاركة فرق السمسمية. وأكد أن هذا التراث يعكس التنوع الثقافي الذي شهدته السويس، خاصة أنها كانت حتى منتصف القرن العشرين مدينة كوزموبوليتانية.
وانتقل الحديث خلال فعاليات معرض السويس الرابع للكتاب إلى الدور الوطني للسمسمية إبان فترات الحرب، مؤكدًا أن الغناء تحول بعد هزيمة يونيو 1967 إلى وسيلة للمقاومة والصمود، وكان الكابتن غزالي في مقدمة من وظفوا هذا التراث الشعبي في خدمة القضية. وأوضح أن غزالي أسس فرقة «أولاد الأرض»، التي قدمت أغنيات وطنية عبر آلة السمسمية لرفع الروح المعنوية، وطافت الفرقة المدن والقرى لتصبح أغانيها جزءًا من الذاكرة الوطنية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
وأكد بغدادي أن الكابتن غزالي لم يكن شاعرًا بالمعنى التقليدي، وإنما كان موظفًا بسيطًا وواحدًا من حفظة التراث الشعبي، ما جعله قادرًا على استلهام الأغاني والأدوار السويسية القديمة وإعادة توظيفها وطنيًا. وأشار إلى أن دكانه البسيط تحول إلى ملتقى للمثقفين والمبدعين، حيث زاره كبار الشعراء مثل صلاح جاهين، وأمل دنقل، ومحمود درويش، وعبد الرحمن الأبنودي. كما تم استعراض كتاب «فات الكتير يا بلدنا» للكاتب الراحل حسين العشي، كوثيقة تؤرخ لهذه التجربة الهامة.
جهود توثيق السمسمية في اليونسكو وحماية الموروث
من جانبه، تناول الدكتور محمد شبانة، خلال فعاليات معرض السويس الرابع للكتاب، دور اللجنة الوطنية المصرية في إعداد ملف السمسمية لتسجيلها ضمن التراث الثقافي غير المادي، موضحًا أن الجهود بدأت منذ عام 2018، وانطلقت الخطوات العملية عام 2020 بجولات ميدانية شملت مدن القناة وسيناء والبحر الأحمر وأسوان.
وأشار شبانة إلى مشاركة المملكة العربية السعودية في تقديم الملف، لافتًا إلى أن منظمة اليونسكو تنظر إلى وجود الآلة واستمرار ممارستها وانتشارها. وأكد أهمية الدور الذي يقوم به معهد الفنون الشعبية في حصر الموروث الشعبي والحفاظ عليه.
وتحدث عاطف كابوريا عن مراحل صناعة آلة السمسمية وآليات الحفاظ عليها، متناولًا تراث الفنان سيد كابوريا. بدوره، استعرض الفنان موسى أحمد موسى مراحل تطور الآلة، موضحًا انتقالها من السلم الخماسي إلى السلم السباعي، وصولًا إلى خمسة عشر وترًا. وقدم خلال الندوة التي أقيمت ضمن فعاليات معرض السويس الرابع للكتاب عددًا من الألحان والأدوار وسط تفاعل كبير من الحضور.
توصيات ختامية لحفظ الذاكرة الفنية
وفي ختام الندوة التي احتضنها معرض السويس الرابع للكتاب، أكد أنور فتح الباب أهمية دور منظمة اليونسكو في حماية التراث الثقافي غير المادي، مشيرًا إلى اتفاقية عام 2003 التي صدقت عليها مصر. ودعا إلى إنشاء مدرسة أو أكاديمية متخصصة في السمسمية لإعداد جيل جديد قادر على صناعتها وإتقان العزف عليها، مشددًا على ضرورة إنقاذ ما تبقى من تراث فرقة «أولاد الأرض» وتحويل التسجيلات القديمة إلى صيغ رقمية لضمان بقائها جزءًا حيًا من ذاكرة الوطن.


